بقلم -د. طارق بن محمد بن حزام
رغم انتظام الحياة ظاهريًا، يفاجئنا الحزن أحيانًا دون مقدمات واضحة؛ تتبدل المزاجات، وتثقل الأفكار، ويغيب الشعور بالطمأنينة.
هذا الحزن المفاجئ لا يكون غالبًا بلا أسباب، بل نتيجة تراكمات نفسية لا يلتفت لها الإنسان في زحمة يومه.
يشير مختصون إلى أن الفراغ يعدّ من أبرز محفزات الحزن، إذ يفتح المجال أمام استدعاء ذكريات مؤلمة، أو تضخيم تجارب سابقة، أو جلد الذات.
كما يسهم الانشغال المفرط بالماضي، أو التعلق بأحداث لم تُغلق فصولها، في إبقاء النفس عالقة داخل دائرة نفسية مرهقة.
وتتفاقم مشاعر الحزن مع ارتفاع سقف التوقعات من الآخرين، أو انتظار نتائج دون سعي فعلي، إضافة إلى ضعف التقدير الذاتي، واستحضار الذكريات المؤلمة، والخوف من مواجهة بعض المواقف، أو تضخيم الألم أكثر من حجمه الحقيقي.
في المقابل، يؤكد التوجيه الشرعي أن الحزن شعور إنساني مشروع ما دام منضبطًا؛ فقد قال النبي ﷺ: «إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي الله».
فالمشكلة لا تكمن في الشعور بالحزن، بل في الاستسلام له.
ويكمن تجاوز هذه الحالة في فهم أسبابها، وملء الوقت بما هو نافع، وممارسة النشاط البدني، والرضا بالقضاء، وربط النفس بالعبادة بمعناها الشامل، بما يمنح الإنسان توازنًا نفسيًا وقدرة على الاستمرار.
فالحياة بطبيعتها دار ابتلاء لا تخلو من المنغصات، غير أن الوعي بالمشاعر، وحسن إدارتها، يجعل الحزن محطة عابرة لا إقامة دائمة.
وفي المحصلة، الحزن ليس خللًا في الحياة ولا ضعفًا في الإنسان، بل رسالة داخلية تتطلب فهمًا لا إنكارًا.
وما لم يُدار بوعي، يتحول من شعور عابر إلى عبء دائم يستهلك الروح ويعطل المسير.
إن إدراك أسباب الحزن، والتعامل معه كحالة إنسانية مؤقتة، يعيد للنفس توازنها ويمنحها القدرة على الاستمرار بثبات.
فالحياة لا تتوقف عند لحظة ألم، ولا تنتظر من أنهكه الحزن؛ وإنما تمضي، ويبقى الخيار بيد الإنسان: إما أن يجعل الحزن محطة عبور، أو يحوله إلى سجن طويل الإقامة