النهار

٠٩ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ يناير-٢٠٢٦       11110

بقلم ـ لواء م عبدالله ثابت العرابي الحارثي

لم يكن البيان السعودي الذي تناول هروب عيدروس الزبيدي بيانًا عابرًا، ولا توصيفًا إعلاميًا لحادثة فرار، بل كان نصًا سياديًا عالي الوعي، كُتب بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة، وحُمّل برسائل تتجاوز السطور إلى ما خلفها. بيانٌ قُرئ بعيون السياسة قبل أن يُقرأ بحروف الإعلام، فبدت كلماته هادئة في ظاهرها، حادة في معناها، دقيقة في مقاصدها.

السعودية، وهي ترصد مسار الهروب خطوة بخطوة، لم تكن تسرد تفاصيل للدهشة أو للاستعراض، بل كانت تقول بهدوء الواثق: نحن نرى، ونسمع، ونعرف.

نغضّ الطرف حين يكون التغاضي حكمة، ونتجاوز حين يكون التجاوز مصلحة، لكن حين يلامس الأمر الأمن الوطني، فهنا لا توجد خطوط حمراء، بل خط من نار.

وهذه ليست لغة تهديد، بل لغة دولة تعرف وزنها، وتُدرك متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تجعل الصمت أبلغ من الكلام.

اللافت في البيان أنه لم يُحوّل الهروب إلى مطاردة جسدية، بل حوّله إلى محاكمة معنوية مكشوفة.

لم تُمسك  السعودية  بالرجل، لكنها أمسكت بالقصة كاملة، ووضعتها تحت الضوء، وجرّدته من كل ما كان يتدثر به.

هنا تتجلى الحنكة والحكمة السياسية؛ حين يكون ترك الخصم يهرب، أشد وقعًا من اعتقاله، وحين يتحول مسار الفرار إلى مسار إدانة، لا فكاك منه.

كان يمكن للسعودية أن تختصر المشهد بإجراء أمني مباشر، لكنها اختارت ما هو أعمق أثرًا: أن تكشف الوجوه، وتُسقط الأقنعة، وتترك الوقائع تتحدث.

البيان لم يقل كل شيء، لكنه قال الحد الأدنى المقصود، وترك ما هو أثقل وأخطر في منطقة الصمت المدروس، ذلك الصمت الذي لا يعني الغياب، بل الامتلاء.

فما لم يُعلن، كان أبلغ مما أُعلن، وأقسى على من يعنيهم الأمر.

هذا البيان لم يُكتب لعيدروس وحده، بل كُتب لكل من يظن أن الصبر السعودي ضعف، وأن الحكمة تردد، وأن التجاوز غفلة.

الرسالة كانت واضحة: الصبر خيار دولة، لا عجزها، والحكمة سلاح، لا تراجع، والدهاء ليس التفافًا، بل إحكام قبضة على الزمن.

السعودية لا تستعجل، لكنها حين تقرر، تفعل وهي تعرف إلى أين تذهب، ومن تخاطب، وماذا تريد أن تقول… وماذا تريد أن تترك للعقلاء  أن يفهموه وحدهم.

 

في النهاية، لم يكن الهارب هو الحدث، بل طريقة التعامل مع الهروب.

هنا تتجلى عظمة الدولة، لا في الضجيج، بل في إدارة المشهد، وفي تحويل حادثة عابرة إلى درس سيادي، يقول للعالم بلغة هادئة لا تخطئها الأذن:

نحن دولة صبرٍ وبُعد نظر، لكن أمننا ليس مجالًا للاختبار… ومن يقترب، يعرف الفرق.