النهار

٠٥ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ يناير-٢٠٢٦       8305

بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي

لم تعد الاضطرابات التي تشهدها بعض المدن مجرّد أحداث عابرة، بل تحوّلت إلى أدوات ضغطٍ ممنهجة تُدار من خلف الستار لإعادة رسم خرائط النفوذ وتوجيه بوصلة السياسة.
تُغذّيها جماعات مأزومة، وتُغلفها شعارات براقة، بينما يقف وراءها من يؤمن – كما قال ميكيافيللي – بأن «الغاية تبرّر الوسيلة»، متناسيًا أن الوسيلة حين تكون فوضى، فإن الغاية لا تبقى على قيد الحياة.

من شرارة احتجاج إلى نارٍ لا تُطفأ

يبدأ المشهد بمطالب مشروعة وهتافات تُنادي بالتغيير، لكن ما إن تتدخل الأيادي الخفية حتى يتحوّل الحراك إلى اقتتال، والمطالبة بالإصلاح إلى مشروع لهدم الدولة.
قال سينيكا ذات مرة: «النار التي تُشعلها لتحرق عدوك، قد تحرق بيتك أولًا».
وهكذا تنقلب الفوضى على صانعيها، فتلد أمراء حرب، وتنشأ كيانات مسلّحة لا تُدين بالولاء إلا للسلاح، وتغدو المدن رهينة الخوف والانقسام.

الفوضى.. سلاحٌ لا يعرف صاحبه

“من يزرع الريح يحصد العاصفة” حكمةٌ قديمة تتجدد كل يوم.
فما يظنه البعض وسيلة لتقويض خصومهم ؛ يتحول إلى قنبلة موقوتة متعددة الفتائل تُهدد الأمن الإقليمي والعالمي معًا.
الدعم التكتيكي لجماعات مأزومة سرعان ما يغدو خطرًا استراتيجيًا، إذ تنقلب الأدوات على مُشغّليها، وتتحول الفوضى إلى دوامةٍ لا يمكن الفكاك منها.

حين يصبح السلام مشروعًا شجاعًا

في زمنٍ يشتعل بالعنف ؛ يبدو السعي إلى الاستقرار موقفًا بطوليًا لا أقلّ.
قال تولستوي: «الحرب لا تخلق إلا ما يُميت، أما السلام فيُنبت ما يُثمر".
ومن هنا ؛ فإن إنقاذ العالم من هذه الدوامة لا يكون بالقوة وحدها، بل بإحياء الضمائر والعقول، وبإرادةٍ سياسيةٍ تُؤمن أن بناء الأوطان أسمى من لعبة النفوذ.

أما مونتسكيو فقد لخّص الحقيقة في قوله:
«حين تختل العدالة، لا يبقى للدول ما يحميها من السقوط". 

الفوضى لا تورث سلطانًا، ولا الحرب تصنع أمجادًا، ومن أشعل النار في دار جاره ؛ سيستيقظ حتمًا على رماد بيته