بقلم- عيسى المزمومي
في زمنٍ تكثر فيه الشعارات، وتتعدد فيه قنوات الإعلام، يبقى الفعل الصامت هو المعيار الحقيقي للقيمة الإنسانية.
فليست المكانة الاجتماعية في ذاتها فضيلة، ولا النفوذ بحدّ ذاته رسالة، إنما الفضيلة كامنة في كيفية تحويل الامتياز إلى مسؤولية، والسلطة إلى وعي، والقدرة إلى عطاءٍ يتجاوز حدود الذات!
من هذا المعنى تحديدًا، يبرز الأمير مشعل بن محمد بن سعود بن عبدالعزيز بوصفه نموذجًا مختلفًا في فهم العمل الخيري؛ لا باعتباره نشاطًا موسميًا أو واجهة اجتماعية، بل بوصفه بنية فكرية وأخلاقية، تنطلق من رؤية فلسفية ترى الإنسان غاية لا وسيلة، وترى العدالة فعلًا يوميًا يُمارَس، لا مفهومًا تجريديًا يُتداوَل.
لقد اتسم المسار الخيري لسموه بعمقٍ لافت، إذ تجاوز حدود الإحسان الآني إلى أفق التنمية المستدامة، وتخطّى الجغرافيا إلى شمولٍ إنساني واعٍ.
ومن هذا المنطلق، جاءت المؤسسة العالمية للأعمار والتنمية، التي أسّسها مع أخيه الأمير خالد بن محمد ـ رحمه الله ـ والشيخ عبدالله المرزوقي، كترجمة عملية لفكرة جوهرية مفادها أن الخير لا يُختزل في الصدقة، بل يتجسّد في بناء الإنسان، وصناعة الوعي، وتأسيس البنية التحتية للقيم قبل العمران!
وقد امتد نشاط المؤسسة ليشمل قارات متعددة، من أفريقيا إلى آسيا، مرورًا بجزرٍ نائية غالبًا ما تُنسى في خرائط الاهتمام العالمي، حيث أُنشئت المدارس، وبُنيت المساجد، وقُدّمت المساعدات الإنسانية، لا بوصفها منّة، بل باعتبارها حقًا إنسانيًا أصيلًا.
وترأّس سمو الأمير مجلس إدارة المؤسسة حتى عام 2002م، مؤكدًا من خلال تجربته أن الإدارة الأخلاقية ليست نقيضًا للكفاءة، بل شرطٌ من شروطها. كما ظل حاضرًا في دعم المؤسسات الخيرية والاجتماعية والثقافية داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، إيمانًا منه بأن المسؤولية الوطنية لا تنفصل عن الواجب الإنساني!
وفي سياق رؤيته للتنمية الشاملة، احتل التعليم موقعًا مركزيًا في مشروعه الفكري والإنساني، فأسهم في تأسيس كلية الباحة للعلوم والتقنية، واضعًا المعرفة في قلب الفعل التنموي، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن التعليم ليس رفاهًا، بل هو أعدل أشكال الاستثمار، وأكثرها قدرة على كسر دوائر الفقر والتبعية.
أما على المستوى الفكري، فإن الأمير مشعل بن محمد لا ينتمي إلى نمط رجل الأعمال التقليدي، ولا إلى صورة المسؤول البروتوكولي، بل يتقدّم بوصفه طالب معرفة؛ قارئًا في الأديان، متأملًا في الفكر الإنساني، مدركًا أن فهم الآخر شرطٌ لفهم الذات، وأن الحوار الحقيقي يبدأ من احترام الاختلاف، لا الخوف منه.
وقد تشكّل هذا الوعي عبر مسارٍ تعليمي متنوع الثقافات؛ إذ تلقّى تعليمه الابتدائي في مدرسة فرنسية بلبنان، ثم عاد إلى المملكة ليلتحق بمدارس الثغر النموذجية في جدة، قبل أن يواصل تعليمه المتوسط والثانوي في معهد العاصمة النموذجي بالرياض، ثم جامعة الملك سعود بكلية العلوم الإدارية.
ولم يتوقف عند هذا الحد، بل واصل دراسته في الولايات المتحدة الأمريكية، بين نيويورك وكاليفورنيا، في مجال الفنون الحرة (Liberal Arts)، وهو مجال يُعنى بتوسيع أفق التفكير النقدي، وربط المعرفة بالأسئلة الوجودية والأخلاقية الكبرى.
كما شارك في برامج تأهيلية ودورات مكثفة في مؤسسات تعليمية أوروبية مرموقة، من بينها مدارس وجامعات سويسرية وفرنسية، مما أسهم في صقل رؤيته الكونية، وتعزيز قدرته على التواصل عبر الثقافات، وهو ما انعكس في إتقانه للغتين الفرنسية والإنجليزية بطلاقة.
ومن أبرز ما يُستشف من فكر سموه تلك الرؤية العميقة للوجود؛ حيث يرى أن الحياة لا تُدار بالمصادفات، وأن الإيمان الحقيقي لا ينسجم مع العبث، بل يقوم على فكرة الحكمة والعدالة الإلهية.
فحين يُنزَع المعنى من الفعل، يتحوّل الإنسان إلى مجرد رقم، وحين تُلغى المسؤولية، يصبح الخير صدفة، والشر تبريرًا.
لقد تربّى الأمير مشعل بن محمد في مدرسةٍ أخلاقية أسّسها الملك سعود ـ رحمه الله ـ مدرسة ترى أن العظمة لا تحتاج إلى ضجيج، وأن القيادة ليست استعراضًا، بل التزامًا صامتًا تجاه الإنسان، والوطن، والقيم.
وهكذا، يمكن القول إن تجربة الأمير مشعل بن محمد بن سعود ليست سيرة شخصية فحسب، بل نموذج فلسفي في تحويل الامتياز إلى رسالة، والعمل الخيري إلى وعي، والإنسان إلى محور كل تنمية حقيقية.
نموذج يذكّرنا بأن أعظم الأثر لا يُرى فورًا، لكنه يبقى طويلًا… لأنه كُتب بالفعل، لا بالكلام!