بقلم ـ حذامى محجوب
في منطقة تُدار فيها الصراعات بمنطق كسر العظام، وتُختزل السياسة في ردود أفعال متعجلة، تبرز المملكة العربية السعودية كفاعل مركزي اختار طريقًا مختلفًا، يقوم على إدارة التوازن بدل الانخراط في دوامات التصعيد المفتوح.
هذا الخيار لا يعكس حذرًا مفرطًا ولا حيادًا سلبيًا، بل قراءة استراتيجية دقيقة لطبيعة الإقليم، حيث أثبتت التجارب المتراكمة أن المغالبة لا تصنع استقرارًا، وأن الفوضى، مهما تعددت تسمياتها، لا تفضي إلا إلى مزيد من التفكك وفتح المجال أمام قوى لا تؤمن بمنطق الدولة ولا بضوابط السيادة.
من هذا المنطلق، تتعامل الرياض مع محيطها بوصفه مجالًا أمنيًا وسياسيًا مترابطًا، لا يمكن فصل أزماته أو تجزئة تداعياته. فالاختلال في نقطة واحدة سرعان ما يتحول إلى عبء جماعي، وهو ما يفسر اعتماد المملكة سياسة تقوم على تحييد أسباب التوتر، وتقليص هوامش الانفجار، وفتح مسارات سياسية قابلة للاستمرار حتى في أكثر الملفات تعقيدًا.
الاتزان هنا ليس انسحابًا من المشهد، بل إدارة واعية لأدوات القوة، وموازنة محسوبة بين الردع والاحتواء، بما يحفظ المصالح ويمنع الانزلاق إلى مواجهات واسعة الكلفة.
ويظهر هذا النهج بوضوح في مقاربة المملكة للملف اليمني، حيث انتقل التركيز من منطق الصراع المفتوح إلى البحث الجاد عن تسوية سياسية مستدامة، تُعيد الاعتبار للدولة اليمنية، وتحدّ من الاستنزاف الإنساني والأمني الذي طال أمده.
المؤشرات الميدانية الأخيرة، التي قوبلت بارتياح محلي ودولي، تعكس وجود إرادة لإعادة ترتيب المشهد على أسس أكثر واقعية، تضع مصلحة اليمن واستقرار الإقليم في صدارة الأولويات، بعيدًا عن منطق إدارة الأزمة لصالح استمرارها.
إن ما يميز السياسة السعودية في هذا السياق هو قدرتها على الفصل بين ممارسة النفوذ وتحويل الأزمات إلى أدوات ضغط دائم. فالمملكة لا تراهن على إطالة الصراعات، ولا تسعى إلى استثمار الفوضى، بل تعمل على احتوائها وتقليص كلفتها، انطلاقًا من قناعة بأن الاستقرار الإقليمي ركيزة أساسية لأي تنمية أو أمن مستدام.
وهو خيار يتطلب صبرًا سياسيًا، ووضوحًا في الرؤية، وقدرة على تحمّل ضغوط اللحظة لصالح حسابات المدى المتوسط والبعيد.
هكذا، يتأكد أن الاتزان في السياسة السعودية ليس موقفًا ظرفيًا، بل نهج دولة تدرك وزنها ومسؤوليتها في محيط مضطرب. نهج يبتعد عن الصخب، ويقترب من الفعل المؤثر، ويجعل من الحكمة أداة سياسة، لا خطابًا للاستهلاك. وفي منطقة لا تزال تبحث عن توازن مفقود، تواصل المملكة أداء دورها كمرجعية عقلانية تسعى إلى إبقاء الإقليم داخل حدود الممكن السياسي، بعيدًا عن مغامرات لا تحصد إلا مزيدًا من الخسائر.