النهار

٣١ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٣١ ديسمبر-٢٠٢٥       26510

بقلم - هلا الخباز
نودّع عامًا مضى، لا بخفّة الذاكرة، بل بحمولتها الكاملة، بما حملته لنا أيامه من أفراحٍ صغيرة، ووجعٍ عابر، ومحطاتٍ علّمتنا أكثر مما أوجعتنا، نودّعه ونحن نلتفت إلى الخلف بابتسامة امتنان، لا بندمٍ ثقيل، ونستقبل عامًا جديدًا بروح أكثر نضجًا، وأملٍ أكثر وعيًا.

وللروائي عبد الرحمن المنيف قولاً مناسب لنحتفي معه بالعام الجديد: " كل نهاية هي بداية جديدة بشكل ما ".
وهذا بالضبط ما يفعله الانتقال من عامٍ إلى آخر؛ لا يمحو ما كان، لكنه يعلّمنا كيف نخفف أثره، وكيف نختار أن نمضي أخفّ متخلصين من كل الأعباء والزوائد التي لا تتناسب مع ما نحن مقدمون عليه.

فالحياة كما قال جبران خليل جبران: " لا تستطيع أن تمنع طيور الحزن أن تحلق فوق رأسك، ولكنك تستطيع أن تمنعها من أن تعشش فيه ".
عامٌ مضى، تفاوتت نكهة أيامه بين الحلو والمرّ، بين عثرات أعقبها نهوض، وبين أحلامٍ تحققت وأخرى تأجلت.

عشنا فيه استقبال وجوه جديدة أضافت لقلوبنا اتساعًا ولحياتنا طعم السكر، وودّعنا فيه أحبة تركوا فينا فراغًا وسيعاً بحجم الندم على الكثير من الأفعال والأقوال التي نلوم أنفسنا بها دوماً بماذا لو ؟!، فراغ.. لكنه مملوء بالامتنان والرضا لما كان ولما سيكون.
هي الحياة… طريقٌ يشبه رحلاتنا في تنوّع الجغرافيا، نستنشق أحيانًا نسيم البحر، ونُفتن أحيانًا بخضرة الغابات التي تغسل أرواحنا المتعبة، ثم نجد أنفسنا في لحظة صدق نُصغي لليل الصحراء ونحن نسامر نجومه حيث لا شيء سوى الذات، والحقيقة.
ومع نهاية كل عام، يعود السؤال ذاته ليؤرق أيامنا الأخيرة من العام.. لماذا لم أحقق كل ما تمنيت؟
سؤالٌ لا يجب أن يكون جلدًا للذات، بل بابًا للمراجعة.

فكثيرًا ما نُفتن بنجاحات الآخرين دون أن نرى أثمانها؛ السهر، والمحاولات المتكررة، والخيبات التي لم تُنشر، والعثرات التي لم تُصوَّر.

تقول أحلام مستغانمي: " بعض البدايات لا تحتاج إلى ضجيج… تحتاج فقط إلى قرار “.

والقرار هو أولى خطواتنا في رحلة السعي والإصرار على الوصول.
وكما يقول محمود درويش: " على هذه الأرض ما يستحق الحياة "، وما يستحق الحياة لا يُنال دفعة واحدة، بل يُبنى خطوةً إثر خطوة، عامًا بعد عام، ينال بالسعي والصبر.
لن نُجمّل الحقيقة بالقول إن الفرص متساوية للجميع، لكننا نستطيع أن نؤمن  بطمأنينة ، أن في داخل كل واحدٍ منا مساحة تأثير هو مسؤول عنها.

أقدارٌ تتحرك بإرادتنا، وبصدق سعينا، وبقدرتنا على الإيمان بأن المحاولة بحد ذاتها إنجاز، وبأن الرحلة ممتعة لأي ضفة وصلنا .
ويذكّرنا باولو كويلو بأن: " عندما تريد شيئًا ما حقًا، فإن الكون بأسره يتآمر ليساعدك على تحقيقه ".
نستقبل العام الجديد اليوم ونحن أكثر وعيًا بأن النهايات ليست خسائر مطلقة، بل تحوّلات صامتة.

فكما قال نجيب محفوظ: «الأمل هو الشيء الوحيد الأقوى من الخوف»، وما من بداية حقيقية تُولد دون بعض القلق، ولا من حلمٍ يكبر دون صبر.
قد لا تتشابه طرقنا، ولا تتساوى خطواتنا، لكننا نملك جميعًا تلك المساحة الخفيّة التي نعيد فيها تعريف ذواتنا، ونختار أن نكمل.

وربما يكون العام الجديد هو تلك البداية التي تأخّرت لأنها كانت تحتاج منا أن ننضج أولًا.
فلنحتفل…
لا لأن كل شيء كان كاملًا،بل لأننا ما زلنا هنا، نحاول، نحلم، ونتقدّم.
ربما لا تتحقق أحلامنا دائمًا بالشكل الذي تخيلناه، لكنها تتحقق بطريقة ما.

نعيش تفاصيلها أحيانًا دون أن ننتبه، فقط لأن السيناريو اختلف قليلًا، ولأن الطريق كان أذكى من توقعاتنا.
نحن نستقبل العام الجديد اليوم، لا بوعود مثالية، بل بنوايا صادقة أن نكون أرحم بأنفسنا، وأصدق مع أحلامنا، وأكثر شجاعة في المحاولة.