بقلم - سعود عقل
في عصرنا الحالي، يغمرنا سيل هائل من المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الرقمية، أصبحت "أزمة الانتباه" ظاهرة بارزة تؤثر على قدرتنا على التمييز بين الحقيقة والوهم.
هذه الأزمة ليست مجرد تشتت ذهني عابر، بل تحول جذري في كيفية تفاعلنا مع الواقع، مدفوعاً باقتصاد الانتباه الذي يعتمد على جذب انتباهنا لأغراض تجارية، ومضاعفاً بتقنيات الذكاء الاصطناعي مثل الديبفيكس (الفيديوهات المزيفة الواقعية).
اقتصاد الانتباه: السبب الجذري للتشتت
في "اقتصاد الانتباه"، أصبح انتباهنا سلعة قيمة يتنافس عليها عمالقة التكنولوجيا.
الخوارزميات مصممة لإبقائنا ملتصقين بالشاشات من خلال محتوى قصير ومثير، مما يؤدي إلى تقصير فترات التركيز.
دراسات حديثة (مثل تلك المنشورة في 2025) تشير إلى أننا نعيش عصر "التشتت المزمن"، حيث ينتقل انتباهنا بسرعة بين الإشعارات والفيديوهات القصيرة، مما يضعف قدرتنا على التركيز العميق.
ومع ذلك، يرى بعض المؤرخين مثل دانيال إميرواهر أن هذه الأزمة ليست جديدة تماماً،فقد شكا الناس من "تدمير الانتباه" مع كل تقنية جديدة، من الكتب إلى التلفاز، لكن ما تغير اليوم هو كمية المحتوى وسرعته.
الذكاء الاصطناعي والديبفيكس: وتم طمس الحدود بين الحقيقة والوهم
مع تطور الذكاء الاصطناعي في 2025، ارتفع عدد الديبفيكس من حوالي 500 ألف في 2023 إلى 8 ملايين، وفق تقديرات شركات الأمن السيبراني.
هذه التقنية تسمح بإنشاء فيديوهات وصوتيات تبدو حقيقية تماماً، مما يجعل التمييز بين الواقع والمزيف صعباً للغاية.
وعلى سبيل المثال، استخدمت ديبفيكس لنشر معلومات صحية كاذبة باستخدام وجوه أطباء حقيقيين، أو للتلاعب بالرأي العام في الانتخابات.
هذا يؤدي إلى "أزمة معرفية" حقيقية، حيث يفقد الناس الثقة فيما يرونه ويسمعونه.
كما أن روبوتات الدردشة الذكية، عند استخدامها للدعم العاطفي، قد تعزز الأوهام النفسية لدى المستخدمين، مما يربط بين التشتت الرقمي والاضطرابات النفسية.
كما ان هناك تأثيرات اجتماعية ونفسية مثل:
'المعلومات المضللة'والأخبار الزائفة التي تنتشر بسرعة بفضل التكرار وتأثير الحقيقة الوهمية، حيث يصدق الناس الكذب إذا تكرر كثيراً.
وكذلك الانحياز التأكيدي حيث نركز على ما يؤكد آراءنا، مما يعمق الانقسامات الاجتماعية.
-الصحة النفسية: الإفراط في الاستخدام يؤدي إلى قلق واكتئاب، خاصة لدى الشباب، بسبب مقارنة الحياة "المثالية" على المنصات بالواقع.
اذن كيف نواجه هذه الأزمة؟
لحماية انتباهنا وتمييزنا بين الحقيقة والوهم، يمكن اتباع خطوات عملية:
1. التحقق من المصادر باستخدم أدوات مثل مدققي الحقائق أو تقنيات الكشف عن الديبفيكس.
2. إدارة الوقت الرقمي نحدد فترات للابتعاد عن الشاشات، ونمارس "الانتباه الجذري" من خلال القراءة العميقة أو التأمل.
3. التعليم الرقمي: تعلم كيفية عمل الخوارزميات والذكاء الاصطناعي لتجنب التلاعب.
4. التركيز على الواقع: عزز العلاقات الحقيقية والتجارب المباشرة لتعويض الوهم الرقمي.
في النهاية، أزمة الانتباه ليست قدراً محتوماً، بل تحدياً يمكن مواجهته بالوعي والانضباط.
إذا لم نستعد سيطرتنا على انتباهنا، قد نعيش في عالم يسيطر فيه الوهم على الحقيقة، مما يهدد ليس فقط معرفتنا، بل هويتنا الإنسانية أيضاً.