النهار

٣٠ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٣٠ ديسمبر-٢٠٢٥       12870

بقلم - علي المالكي 
في عصر يتسم بتدفق المعلومات كالأنهار الجارفة وتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات حرب ناعمة تُدار من خلف الشاشات يبرز دور الكلمة الرقمية كعامل حاسم في صيانة الاستقرار الوطني. 
في المملكة العربية السعودية، التي تشهد نهضة شاملة تحت قيادة رؤية 2030 يتحمل كل مواطن ومقيم على هذه الأرض مسؤولية تاريخية تجاه ما يكتبه وينشره. 
الكلمة يجب أن تكون واعية تسند الدولة ومؤسساتها توحد الصفوف ولا تفرقها تحمي الثوابت الوطنية والدينية تغلب المصلحة العامة على الخاصة تحافظ على الخطاب الرسمي للدولة وتواجه الأحداث الجارية ببصيرة ناقدة وعقيدة وطنية راسخة مهما بلغت شدة الروايات المضللة أو الهجمات الإعلامية الخارجية. 
إن المجتمع الرقمي ليس مجرد فضاء افتراضي بل هو امتداد حقيقي للوطن يجب أن يكون درعًا له لا ثغرة فيه.

قوة المنصات الرقمية ومخاطرها في السياق السعودي

مع عشرات الملايين مستخدم لوسائل التواصل في المملكة أصبحت هذه المنصات أكبر منبر لتشكيل الرأي العام في تاريخ البلاد. 
هي أداة تمكين هائلة ساهمت في تعزيز الوعي المجتمعي نشر الإنجازات الوطنية وتعزيز الحوار البناء بين الأجيال. 
لكنها في الوقت ذاته أصبحت ساحة للحروب الإعلامية الحديثة حيث تُدار حملات ممنهجة بالحسابات الوهمية والروبوتات لنشر الشائعات وزرع الفتنة.
شهدت المملكة موجات متتالية من هذه الحملات خاصة في أوقات الأزمات الإقليمية أو المناسبات الوطنية الكبرى تستهدف هذه الهجمات تشويه صورة القيادة التشكيك في الإنجازات إثارة النعرات القبلية أو المناطقية أو تضخيم قضايا جزئية لتصويرها كأزمات عامة. 
ما يميز هذه الحملات احترافيتها العالية حيث تُدار من مراكز إعلامية خارجية بتمويل واضح وتستغل الخوارزميات للوصول إلى أكبر عدد ممكن داخل المجتمع السعودي.

الإطار القانوني والأخلاقي: ركيزتا الضبط الوطني

لم تترك المملكة هذا الفضاء دون تنظيم بل وضعت إطارًا قانونيًا متكاملاً يعكس حكمة القيادة في التوفيق بين حرية التعبير والحفاظ على الأمن الوطني. 
يأتي في مقدمته نظام مكافحة جرائم المعلوماتية الذي يفرض عقوبات رادعة على كل من ينشر محتوى يمس الرموز الوطنية يثير الفتنة أو يهدد اللحمة الاجتماعية. 
كما أصدرت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام ضوابط دقيقة للمحتوى الإعلامي تؤكد على احترام الثوابت الدينية والوطنية حماية النظام العام وتعزيز القيم الأخلاقية.
هذه الأطر ليست قيودًا بل حماية للمجتمع من الانزلاق نحو الفوضى الرقمية. 
على المستوى الأخلاقي يُطلب من كل مستخدم أن يسأل نفسه قبل النشر : هل هذه الكلمة تخدم وطني أم تضره؟ هل تساهم في الوحدة أم في التفرقة؟ النقد البناء المبني على الحقائق والرغبة في الإصلاح هو جزء من الولاء الوطني أما التشويه المقصود أو إعادة نشر الشائعات دون تدقيق فهو تقصير في الواجب.

دور المواطن الواعي : من المتلقي السلبي إلى المدافع النشط

أظهر السعوديون في السنوات الأخيرة مستوى استثنائيًا من الوعي الرقمي تحول معه الكثيرون من متلقين إلى مدافعين نشطين. على منصات مثل( إكس) يبرز جيل من المغردين الشباب يمتلكون مهارات عالية في تفنيد الشائعات تقديم الحقائق بدلائل ونشر الرواية الوطنية بأسلوب جذاب وحديث. هؤلاء ليسوا ذبابًا إلكترونيًا كما يحلو للمعادين وصفهم بل هم حراس الوطن الرقمي يدافعون عن بلادهم بحجج وبراهين لا بعواطف جامحة.
في مناسبات وطنية مثل اليوم الوطني أو مواسم الحج يتحول الخطاب الرقمي السعودي إلى سيل جارف من الفخر والتلاحم يغرق أي محاولات تشويه. 
وفي الأزمات الإقليمية يلتف المغردون حول الموقف الرسمي مدركين أن أي انشقاق رقمي يُستغل فورًا من الخارج. 
هذا الوعي لم يأتِ من فراغ بل هو ثمرة جهود تعليمية وتوعوية مكثفة من الجهات الرسمية إضافة إلى التربية الوطنية التي غرسها الآباء في أبنائهم.

استراتيجيات التصدي للحملات الخارجية: بصيرة وصبر وتنظيم

تواجه المملكة هذه الحملات باستراتيجية متعددة الأبعاد :
أولاً : الرد الرسمي السريع والموثق حيث تصدر الجهات المعنية بيانات توضح الحقائق وتفضح التزييف.
ثانيًا : دعم المواطنين الواعين ليكونوا خط الدفاع الأول من خلال توفير المعلومات والأدلة لهم.
ثالثًا : التعاون الدولي في مكافحة التطرف الرقمي والحملات المضللة حيث تقود المملكة مبادرات عالمية في هذا المجال.
رابعًا : تطوير التقنيات الوطنية لرصد ومواجهة الحسابات الوهمية والروبوتات.
ما يميز الرد السعودي هو الهدوء والاحترافية. فالاستجابة العاطفية السريعة قد تخدم أغراض المعادين بينما الرد المدروس بالحجة والدليل يسقط الحملة من أساسها. 
كما أن التركيز على نشر الإيجابيات والإنجازات يفرغ الحملات السلبية من مضمونها.

بناء جيل رقمي وطني: التعليم والتوعية أساس المنعة

لضمان استمرارية هذا الوعي يجب تعزيز التعليم الرقمي في المناهج الدراسية تدريب الشباب على مهارات التحقق من المعلومات، وإطلاق حملات توعوية مستمرة. 
كما يمكن للمؤسسات الإعلامية الوطنية أن تطور محتوى جذابًا يجذب الجيل الجديد ليكون بديلاً عن المحتوى المغرض.
الأسرة أيضًا لها دور محوري في غرس قيم الولاء الوطني والمسؤولية الرقمية منذ الطفولة فعندما يرى الطفل والده يتحقق من الخبر قبل نشره أو يدافع عن وطنه بهدوء وحكمة يتربى على نفس النهج.
اعلم عزيزي القارئ ان الكلمة الواعية عماد الأمة في المستقبل لتبقى الكلمة الرقمية أمانة في عنق كل سعودي. 
يجب أن نرى في كل تغريدة أو منشور فرصة لبناء الوطن لا لهدمه لتوحيد الصفوف لا تفريقها مهما اشتدت العواصف الإعلامية فإن الوعي الوطني الراسخ والعقيدة الثابتة هما الدرع الأمتن.
لنكن جميعًا جنودًا في هذه المعركة الناعمة، نحمل راية الحقيقة نحمي ثوابتنا نعلي مصلحة وطننا ونصون خطابه الرسمي. فالمملكة العربية السعودية شامخة بقيادتها الحكيمة قوية بشعبها الواعي موحدة بإرادتها الصلبة. 
حفظ الله بلادنا من كل سوء وجعلنا دومًا سندًا لها في كل ميدان رقميًا وواقعيًا حاضرًا ومستقبلاً.
@AASAA_999