النهار
بقلم ـ عبد المحسن محمد الحارثي
ليست العواصف دائمًا سبب الانهيار، بل كثيرًا ما تكون كاشفة له.
في السياسة والاقتصاد ؛ لا تسقط البنى لأن الريح اشتدت، بل لأنها شُيّدت على أعمدة لا تحتمل ما وُضع فوقها.
الفكرة الأساسية: حين يسبق الطموح القدرة ؛ ينهار كل ما بني قبل الأوان.
ومن استعجل الثمرة قبل نضجها ؛ ذاق مرارتها.
البناء قبل الأعمدة
بناء السقف قبل تثبيت الأعمدة ليس مجرد خطأ، بل خلل في ترتيب الأولويات.
في التجارب المعاصرة، شهدنا كيانات:
•وسعت أسواقها قبل تحصين مؤسساتها،
•ورفعت سقف الأدوار قبل اختبار الأعمدة،
•وتعاملت مع صمت المحيط بوصفه ضمانة دائمة.
الفراغ لا يبقى فراغاً، لكنه لا يملؤه دائماً الأصلح.
ليس كل ما يلمع ذهباً، ولا كل نموٍّ نمواً حقيقياً.
الطموح بلا أعمدة = هشاشة،
السوق بلا عمق = قلق،
الدور بلا توازن = خوف.
الصمت ليس قبولاً
الصمت أو الغياب لا يعني التنازل، والنوم لا يعني فقدان القوة.
الواجهة، حين قرأت صمت القطب خطأً ؛ بنت أدوارًا أعلى من أعمدتها، ووقعت في فخ سوء التقدير.
من مدّ رجليه على قدر لحافه ؛ نام قرير العين.
الأرقام لا تحمي وحدها
الأسواق المفتوحة مهما بدت مزدهرة ؛ لا تعوّض غياب التوازن الاستراتيجي.
حين يصبح الاقتصاد:
•أسرع من السياسة،
•وأكبر من الجغرافيا،
•وأعلى من قدرته على الاحتمال ؛ تتحول المؤشرات من أدوات قياس إلى أقنعة، وتصبح الأرقام مجرد زخرفة تخفي هشاشة الواقع.
الخلل في القياس لا في المصير
الأزمات لا تُفاجئ من يفكر بعمق، بل تأتي حين يختل ميزان القياس بين الممكن والمأمول.
من يخلط بين الطموح والمقامرة، ومن يظن أن الجغرافيا يمكن تجاوزها بالأرقام ؛ يكتشف متأخراً أن الواقع لا يُفاوض.
فمن مدّ رجليه على قدر لحافه ؛ نام قرير العين.
حين تهب العواصف
العاصفة لا تسأل عن النوايا، ولا تفرّق بين من أخطأ عن قصد ومن أخطأ عن حساب.
حين تهبّ:
•يسقط ما كان معلقاً،
•ويتعرّى ما كان مستوراً،
•ويُختبر ما ادّعى الصلابة.
ومن يبني سقفاً أعلى من أعمدته؛ لا يلوم العاصفة.
الخوف والخيانة: الضحية الحقيقية
حين ترتجف الواجهة بعد استيقاظ القطب ؛ يتحول الخوف إلى قرارات مربكة ومختلة التوازن.
الضحية الحقيقية هنا هي الواجهة نفسها، خصوصًا إذا استعانت بالخارج، الذي غالبًا يلعب على واجهتين: يدعم ظاهريًا ويحمي مصالحه أولاً.
•تخريب محدود: إرباك مسارات التعاون والأسواق بما يحمي مصالحها الضيقة.
•خيانة اختيارية: الانقلاب على الشراكات غير المكتوبة التي منحت الشرعية مؤقتًا.
•خوف: المحرك الأساسي لكل خطوة، لا يُرى لكنه يُحدد فعلها.
•استعانة بالخارج: غالبًا ما تجعل الضحية حقيقية هي من لجأت إليه، وليس من يدّعي الدعم.
الدرس: من يسعى لتعويض هشاشته بوسائل خارجية، غالبًا ما ينتهي إلى فقدان السيطرة على مصيره، لا حماية نفسه.
ما نراه أحيانًا ليس صراع أحجام، بل صراع تقديرات:
•طموح بلا أعمدة = هشاشة.
•سوق بلا عمق = قلق.
•دور بلا توازن = خوف.
•استعانة بالخارج بلا حساب = ضياع السيادة.
من يبني سقفاً أعلى من أعمدته؛ لا يلوم العاصفة.
وفي الفم ماء،لكن الحكمة -مهما طال تجاهلها - تجد طريقها دائمًا،
والخرائط -حين تُعاد قراءتها - لا ترحم!!