النهار

٢٦ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ ديسمبر-٢٠٢٥       10340

بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي 

حرب فكرية ناعمة ؛ تهدم الداخل وتستدعي وعي الدولة وصلابة القرار ..

فلم يعد عزوف الشباب والشابات عن الزواج ظاهرة اجتماعية عارضة يمكن احتواؤها بالنصح أو تفسيرها بتغير الأجيال، بل بات عرضًا صارخًا لمعركة فكرية عميقة تستهدف الكيان الأسري في جوهره، وتسعى إلى تفكيكه لا بالهدم المباشر، بل بإفراغه من معناه، وتعقيد مساره، وتشويه صورته في الوعي الجمعي.

 

فالأسرة، التي وصفها أرسطو بأنها «النواة الأولى التي تقوم عليها المدينة»، ؛ لم تعد تُواجَه اليوم بالعداء الصريح، بل بحرب ناعمة، تُخاض عبر الخطاب الثقافي، والإعلامي، والاقتصادي، حتى أصبحت في نظر كثير من الشباب مشروعًا مرهقًا، محفوفًا بالخسارة، لا ملاذًا طبيعيًا للسكن والاستقرار.

 

وليس من قبيل المصادفة أن يربط القرآن الكريم بين الزواج والسكن النفسي، في قوله تعالى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.

فالزواج في التصور القرآني ليس عبئًا اجتماعيًا، بل حالة توازن وجودي، وأي سياق ثقافي يحوّله إلى مصدر قلق دائم ؛ إنما يصطدم مباشرة بمقاصده الكبرى.

 

أولاً: الأرقام لا تكذب.. الأسرة تحت الضغط.

 

تشير تقارير سكانية واجتماعية إلى أن معدلات الزواج في عدد من الدول العربية انخفضت بنسبة تتراوح بين 25% و40% خلال العشرين عامًا الأخيرة، في مقابل ارتفاع متوسط سن الزواج الأول بما يتجاوز 6 إلى 8 سنوات مقارنة بجيل التسعينيات.

وتُظهر استطلاعات اجتماعية أن نحو 65% من الشباب غير المتزوجين لا يرفضون الزواج من حيث المبدأ ؛ لكنهم يؤجلونه بسبب التكاليف الباهظة، وضغط التقاليد، والخوف من الفشل الاجتماعي.

 

الأخطر من ذلك أن دراسات سكانية تحذّر من أن استمرار هذا المنحى سيؤدي إلى:

 • تراجع معدلات الاستقرار الأسري.

 • ارتفاع نسب العزلة الاجتماعية.

 • اختلال التوازن الديموغرافي.

 • زيادة العبء النفسي والصحي على الأفراد.

 

وهنا يصدق قول عالم الاجتماع إميل دوركايم:

«حين تعجز القواعد الاجتماعية عن خدمة الإنسان ؛ فإنها تتحول من أداة استقرار إلى مصدر اضطراب».

 

ثانيًا: الحرب الفكرية على الأسرة.. من التذويب إلى الإقصاء.

 

إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد تضخم عادات، بل خطاب فكري عالمي يعيد تعريف الأسرة والزواج بوصفهما قيودًا على الحرية الفردية..تُقدَّم الفردانية المطلقة باعتبارها ذروة النضج، بينما تُصوَّر الأسرة المستقرة على أنها نموذج متجاوز، أو خيار ثقيل الكلفة.

 

وقد نبّه زيغمونت باومان إلى هذا التحوّل بقوله:

«المجتمعات السائلة تكره الالتزام، لأنها ترى فيه خطرًا على اللذة المؤقتة».

 

في هذا السياق، تُخاض الحرب على الأسرة عبر:

 • تسويق العلاقات المؤقتة بوصفها أكثر “تحررًا”.

 • تصوير الزواج كمصدر فشل محتمل لا كفرصة استقرار.

 • ترسيخ ثقافة الاستهلاك والمظهر داخل مؤسسة الزواج.

 • تفريغ مفاهيم مثل التضحية والمسؤولية من قيمتها الأخلاقية.

وهكذا ؛ لا يُهدم الزواج، بل يُثقل حتى يُهجَر.

 

ثالثًا: العادات حين تنقلب على مقاصدها.

 

لقد تحوَّلت كثير من العادات المرتبطة بالزواج من طقوس فرح إلى أدوات إقصاء طبقي..مهر مرتفع، مناسبة ضخمة، سباق استعراضي، قائمة معازيم لا تنتهي، وتوقعات اجتماعية خانقة.

وهنا قال ابن خلدون كلمته الخالدة:

«العوائد إذا غلبت المقاصد أفسدت العمران».

 

وقد أثبتت دراسات اقتصادية أن تكاليف الزواج المرتفعة تمثل أحد أهم ثلاثة أسباب مباشرة لتأخر الزواج، وأن نسبة كبيرة من الزيجات تبدأ مثقلة بالديون، ما ينعكس لاحقًا على استقرارها النفسي والأسري.

 

وفي مقابل هذا التعقيد الاجتماعي ؛ يقف الهدي النبوي موقفًا واضحًا لا لبس فيه، إذ قال النبي ﷺ:

«أعظمُ النكاحِ بركةً أيسره مؤونة»..

وهو حديث لا يصف حالة مثالية، بل يضع قاعدة حضارية تقوم على التيسير بوصفه شرطًا للاستدامة.

 

رابعًا: التداعيات النفسية والصحية.

 

من منظور صحي، تشير تقارير نفسية إلى أن تأخر الزواج القسري يرتبط بارتفاع معدلات القلق، والاكتئاب، والشعور بالوحدة المزمنة، خاصة في الفئة العمرية من 30 إلى 45 عامًا.

ويؤكد مختصون أن الأسرة المستقرة تمثل أحد أهم عوامل الوقاية النفسية، وأن غيابها لا يُعوَّض بالنجاح المهني وحده.

 

وكما قال أحد الأطباء النفسيين:

«الإنسان قد ينجح وحده ؛ لكنه لا يشفى وحده».

 

خامسًا: لماذا يجب أن تتدخل الدولة؟!

 

إن ترك هذا الملف للوعي الفردي وحده لم يعد مقبولًا..فالدولة التي تتدخل لتنظيم الأسواق، وضبط التضخم المالي ؛ مطالبة اليوم بالتدخل لضبط التضخم الاجتماعي الذي يهدد الأسرة.

 

ويشمل ذلك:

 • تقنين العادات والتقاليد في مناسبات الزواج.

 • تحديد سقف أعلى للمهور للبكر والثيب.

 • إلغاء المناسبات الكبيرة المرهِقة.

 • تحديد عدد المعازيم.

 • ضبط وقت المناسبة بداية ونهاية.

 

هذه الإجراءات ليست وصاية، بل حماية للأغلبية الصامتة التي تريد الزواج لكنها تُقصى باسم العُرْف. وكما قال كانط:

«العدل لا يعني ترك الناس ينهارون باسم الحرية».

 

إن تذويب الكيان الأسري لا يحدث فجأة، بل يبدأ حين نصمت عن التعقيد، ونبرّر المبالغة، ونقدّس العادة على حساب الإنسان. 

وعزوف الشباب عن الزواج ليس تمرّدًا على القيم، بل نتيجة مباشرة لحرب فكرية واجتماعية لم تُواجَه بوعي كافٍ ولا بقرار حاسم.

 

وحين تعود البساطة إلى الزواج ؛ تعود الأسرة إلى دورها الطبيعي، ويستعيد المجتمع توازنه، ويكسب المستقبل حقه في الاستمرار.