النهار

٢٣ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ ديسمبر-٢٠٢٥       9955

بقلم - حذامي محجوب 

لم تعد  القراءة  اليوم مجرّد هواية ثقافية أو ترفٍ نخبوي، بل غدت فعلَ مقاومةٍ صريح في عالمٍ يُغرق الإنسان في المتعة السهلة، ويُربكه بسيلٍ لا ينتهي من الصور والمعلومات السطحية. نحن نعيش زمنًا يوفّر كل شيء كي لا نفكّر: منصّات، شاشات، مسلسلات، محتوى سريع الاستهلاك، يَعِد بالمتعة الفورية ويصادر في المقابل قدرتنا على التأمل، على الصمت، وعلى الإنصات إلى صوتنا الداخلي.

في هذا الضجيج المستمر، تبدو  القراءة  كفعلٍ مضاد، كوقفةٍ حادّة في وجه التيار. فالكتاب لا يلهينا، بل يطالبنا. لا يُسلّينا، بل يوقظنا.  القراءة  ليست استهلاكًا، بل مشاركة كاملة للوعي، تتطلّب جهدًا، وصبرًا، واستعدادًا لمواجهة الذات. ولهذا السبب تحديدًا، أصبحت  القراءة  صعبة في عصر "السهولة".لكنها صعبة لأنها حقيقية.

القراءة تعيد تعريف الزمن. حين نقرأ، نخرج من أسر اللحظة العابرة، ونتحرر من وهم الاستعجال. نكتشف أن المصير الإنساني أعمق من أخبار اليوم، وأن أسئلة البشر الكبرى لم تولد مع وسائل التواصل، بل رافقت الإنسان منذ بداياته. من يقرأ للتوحيدي ، أو للمعري ، أو لابن عربي او لتولستوي ، او اسخيلوس ..يدرك أن ما يقلقنا اليوم ليس إلا موجة على سطح بحرٍ إنساني قديم، عميق، ومشترك.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تراجع القراءة، بل في ما يعوّضها. نحن لا نعيش فراغًا ثقافيًا، بل امتلاءً زائفًا. تُسمّى السلع "فنًا"وتُختزل المعرفة في ملخّصات، وتُبسّط النصوص العظيمة باسم "التيسير"،بينما الحقيقة أن هذا التبسيط هو إفقارٌ للعقل، وتجريدٌ للإنسان من حقه في الصعوبة الخلّاقة. فالقراءة تصبح مثمرة حين نتصادم مع النص، حين نشعر بأننا نغادر مناطق الراحة الذهنية.

الكتاب لا يخاطب الجماهير، بل يخاطب الفرد. لا يتوجّه إلى "المستهلك" بل إلى ذلك الصوت الداخلي الهشّ، القلق، الباحث عن معنى. لهذا كانت  القراءة  دائمًا فعلًا فرديًا عميقًا، أشبه بالصلاة أو التأمل: صمت، انتباه، وانخراط كامل. إنها حوار من عزلة إلى عزلة، بين قارئ حيّ وكاتب قد غاب جسديًا، لكنه ما زال يتكلم. وهنا تكمن مفارقتها المدهشة: الكتاب دليلٌ على أن الفكر لا يموت، وأن الكلمة قادرة على عبور الزمن.

وفي مجتمعٍ يتّجه نحو تسطيح الإنسان، تُصبح  القراءة  ضرورة أخلاقية. عالمنا لا يريد منا أن نكون عميقين، بل قابلين للإدارة،لا يريد وعينا، بل امتثالنا. تُغذّى الرغبات السطحية، وتُقمع الحاجة إلى المعنى، ويُعاد الإنسان إلى حالة من القصور الدائم، باسم الراحة والرفاه. في المقابل، الأدب العظيم يدرّبنا على الحرية الداخلية، على التمييز، على رفض الرداءة، وعلى الإيمان بأن الجمال والحق والعدل ليست كلمات مجرّدة، بل خبرات تُعاش.

قد يعيش إنسان حياةً مستقيمة دون أن يقرأ، نعم. فالقراءة ليست شرطًا للأخلاق. لكنها، في عالمٍ فوضوي، إحدى آخر المساحات التي تسمح لنا بإعادة بناء الداخل، باستعادة النفس، وبالحفاظ على خيط قصتنا الإنسانية. إنها ليست ضمانًا للخلاص، لكنها درعٌ في وجه التفاهة، ونارٌ مضادة في زمن المحاكاة.

مجتمع لا يقرأ هو مجتمع يُسلِّم مصيره للسطح، ويستبدل الفكر بالضجيج، والحرية بالوهم. أما القراءة، فهي وعدٌ آخر: وعدُ إنسانٍ لا يكتفي بالعيش، بل يسعى إلى أن يفهم، وأن يكون جديرًا بإنسانيته.