النهار
بقلم - محمد السويعي
كثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن «فقاعة الذكاء الاصطناعي»، حتى ذهب بعض المراقبين إلى التحذير من انفجار وشيك قد يخلّف خسائر كبيرة على المستثمرين والشركات. هذا الجدل ليس جديدًا؛ فقد رافق كل موجة تقنية جديدة عرفها العالم، من بدايات الإنترنت إلى انتشار الهواتف الذكية. واليوم يتكرر السؤال بصيغة واحدة، هل ما نشهده تحول تقني حقيقي سيغيّر شكل الاقتصاد والحياة، أم مجرد فقاعة إعلامية ستتلاشى مع الوقت؟
القراءة الهادئة للمشهد تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثّل طفرة تقنية حقيقية، لكنه محاط في الوقت نفسه بطبقة كثيفة من المبالغات والتوقعات غير الواقعية. الفقاعة هنا لا تكمن في وجود التقنية ذاتها، بل في تصويرها كحل سحري وسريع لكل التحديات، سواء في الأعمال أو في الاقتصاد ككل.
الأرقام تساعد على فهم الصورة بعيدًا عن الضجيج. تقرير مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي لعام 2025 يوضح أن الاستثمارات في هذا المجال داخل الولايات المتحدة تجاوزت 109 مليار دولار في عام 2024، وأن نحو 78% من المؤسسات عالميًا تستخدم الذكاء الاصطناعي بدرجات متفاوتة. هذه المؤشرات تعكس انتقال التقنية من مرحلة التجربة والاستعراض إلى مرحلة الاستخدام التشغيلي داخل الشركات والقطاعات المختلفة، وليست مجرد موضة عابرة. ولا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على الشركات وحدها، بل يمتد إلى سوق العمل والاقتصاد العالمي. فقد قدّر صندوق النقد الدولي أن نحو 40% من الوظائف حول العالم ستتأثر بالذكاء الاصطناعي، إما عبر الأتمتة، أو من خلال تغيير طبيعة المهام ورفع الإنتاجية. هذا التقدير يعكس تحولًا هيكليًا في أسلوب العمل، لا مجرد تحسينات تقنية محدودة.
مع ذلك، تظهر ملامح "الفقاعة" عندما ننتقل من الحديث عن التبنّي الواسع لهذه التقنية إلى الحديث عن النتائج الفعلية. فالكثير من الشركات جرّبت حلول الذكاء الاصطناعي، لكن عددًا أقل نجح في تحقيق عائد مالي واضح ومستدام. وتشير بعض الدراسات الاقتصادية إلى أن نسبة محدودة فقط من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع داخل عملياتها الأساسية، بينما يرى عدد من المديرين التنفيذيين أن العائد على الاستثمار ما يزال غير محسوم، خاصةً مع ارتفاع تكاليف التشغيل والحاجة إلى بيانات عالية الجودة.
هذا الواقع ينسجم مع تقييم شركة الأبحاث والاستشارات غارتنر، التي ترى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي دخل ما يُعرف بمرحلة هبوط التوقعات ضمن منحنى النضج التقني. في هذه المرحلة، يبدأ المستخدمون باكتشاف التحديات الحقيقية للتقنية، مثل جودة البيانات، وتكلفة البنية التحتية، ومخاطر الخصوصية، والأخطاء الناتجة عن النماذج. وهي مرحلة طبيعية في مسار أي تقنية، ولا تعني فشلها بل انتقالها من الانبهار إلى الاستخدام الواقعي.
ومن مظاهر الفقاعات الجزئية أيضًا ما يُعرف "بـغسل الذكاء الاصطناعي"، أي استخدام المصطلح لأغراض تسويقية دون وجود فعلي لتقنيات ذكية حقيقية. وقد اتخذت هيئة الأوراق المالية الأمريكية إجراءات ضد شركات بالغت أو قدّمت معلومات مضللة حول استخدام الذكاء الاصطناعي في منتجاتها، في إشارة واضحة إلى أن الأسواق بدأت تفرّق بين الابتكار الحقيقي والادعاءات التسويقية.
ورغم كل ذلك، يصعب وصف الذكاء الاصطناعي ككل بأنه فقاعة قابلة للانفجار، لأن ما يُبنى حوله اليوم هو بنية تحتية ضخمة. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، تستهلك مراكز البيانات نحو 1.5% من إجمالي الكهرباء عالميًا، مع توقعات بارتفاع هذا الرقم بشكل ملحوظ خلال السنوات القادمة نتيجة الطلب المتزايد على الحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. هذا النوع من الاستثمارات طويلة الأجل لا يُقام من أجل موجة مؤقتة، بل لقناعة بأن التقنية ستصبح جزءًا أساسيًا من الاقتصاد الرقمي.
فإذاً، الذكاء الاصطناعي ليس فقاعة ستنفجر وتختفي، وأيضاً ليس عصا سحرية لحل جميع مشكلات الأعمال والاقتصاد. هو تقنية قوية ستغيّر طريقة العمل والحياة، لكن أثرها الحقيقي سيظهر تدريجيًا مع تراجع المبالغات وسقوط بعض المشاريع وبقاء الحلول التي تقدم قيمة حقيقية. وبين ضجيج الطفرة والفقاعة، يبقى الواقع هو الحكم النهائي، لا العناوين الرنانة ولا الوعود السريعة.