النهار

٢١ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ ديسمبر-٢٠٢٥       11220

بقلم _ الدكتور/ محمد الحقيب الغامدي

حين نتأمل الإنسان في ميزان التربية الإسلامية نجد أنه خُلق متنوع القدرات واسع الاستعداد مختلف المواهب ولم يُرد له أن يكون نسخة واحدة مكررة بل أراده الله متكاملا تتوزع فيه القوة بين عقل يفكر وقلب يشعر وجسد يعمل وروح تسمو
ومن هذا المعنى الإنساني العميق تلتقي نظرية الذكاءات المتعددة مع جوهر التربية الإسلامية دون تعارض أو تكلف بل بانسجام فطري جميل

تقوم نظرية الذكاءات المتعددة التي قدمها العالم هوارد غاردنر على أن الذكاء ليس قالبا واحدا ولا قدرة محصورة في الحساب واللغة بل هو طيف واسع من القدرات التي تتجلى في أشكال متعددة فهناك من يبدع بالكلمة وهناك من يبرع بالحركة وهناك من يفهم الناس بعمق وهناك من يغوص في ذاته متأملا المعنى
وهذا الفهم يحرر الإنسان من ظلم المقارنة ويعيد الاعتبار لقدرات طالما وئدت تحت مسمى الضعف أو الفشل

وحين نعود إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نجد هذا المعنى حاضرا بوضوح فقد كان عليه الصلاة والسلام يخاطب كل إنسان بما يناسبه ويكلف كل صحابي بما يتقنه ويقدر عليه
فهذا خالد يقود في ميدان الحرب وذاك زيد يتقن التعلم واللغة وذاك معاذ يفقه في الحلال والحرام وذاك ثابت يبدع في الخطابة ولم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم الناس سواء في التكليف بل سواء في الكرامة

التربية النبوية لم تكن تصنيفا ولا إقصاء بل كانت اكتشافا للطاقات وتوجيها لها وربطا لها بالقيم فلم يكن التفوق في ذاته غاية بل وسيلة لعبادة الله وعمارة الأرض
وهذا هو جوهر الذكاء في الإسلام أن يكون نافعاً مسخراً في الخير منضبطاً بالأخلاق

إن ربط نظرية الذكاءات المتعددة بالتربية الإسلامية يجعلنا نعيد النظر في أساليبنا التربوية فنكف عن حصر النجاح في نمط واحد ونتوقف عن وسم الأبناء بالعجز لأنهم لا يشبهون غيرهم ونبدأ رحلة البحث عن مواضع القوة فيهم لننميها ونهذبها ونوجهها

وليس في هذا تبرير للكسل ولا دعوة للتساهل بل هو تحميل للمربي مسؤولية أعمق أن يفهم قبل أن يحكم وأن يلاحظ قبل أن يعاقب وأن يربي الإنسان كله لا جزءا واحدا منه

إن التربية التي ترى الذكاء نعمة متعددة الأوجه وتربطه بالهداية والخلق والعمل الصالح هي تربية تصنع إنسانا متوازنا يعرف قدر نفسه ويحسن موقعه في الحياة ويعبد الله من باب موهبته التي فُتح له فيها

وهكذا تلتقي الحكمة الإنسانية مع الهدي النبوي في رسالة واحدة مفادها أن كل إنسان يحمل في داخله خيرا ينتظر من يكتشفه وأن العدل في التربية هو أن نضع كل عقل في موضعه وكل موهبة في مسارها الصحيح .