النهار

٢١ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ ديسمبر-٢٠٢٥       21450

بقلم _ عبدالله بن علي الرستم

كانت دعوة الجمعية التاريخية السعودية لحضور اللقاء العلمي الواحد والعشرون والمقام في محافظة الخرج خلال الفترة 26-28 جمادى الآخرة 1447هـ تحت عنوان (تاريخ وحضارة الخرج عبر العصور) دورٌ في زيارتي الخرج من جديد، حيث زرتها مراراً بين أوقات متفاوتة لأجل أمرٍ ما وأكرُّ راجعاً من حيث أتيت، إلا أن هذه المرّة فقد كان الشوقُ مختلفاً في التعرّف عليها عبر اللقاء العلمي والجلوس مع باحثيها ووجهائها، والذي طُرحت فيه إحدى وعشرون ورقة علمية في مجالات شتّى، توزّعت بين الطرح التاريخي والجغرافي والاجتماعي وغيرها، ناهيك عن الزيارات الميدانية والاستضافات التي قام بها أهالي محافظة الخرج الكِرام.

كان اللقاءُ ثرياً بجميع أبعاده المتنوّعة، فالبعد التاريخي يكشف لنا تاريخ هذه المنطقة (اليمامة) وعمقها التاريخي الذي مرّت عليه عدة إمارات وأحداث مشهورة في تاريخ الإسلام وقبله، فقد كان من نصيب الدكتور/ فهد الدامغ ورقة مهمّة في هذا الميدان تمثلت في التحدث عن تاريخ (الخِضرمة) منذ نشأتها والأحداث التي مرّت بها حتى اندثارها باندثار إمارة الأخيضريين في اليمامة، أما الدور التنموي فقد كان نصيبه ورقة علمية طرحها الدكتور/ أحمد الرسّي بعنوان (استصلاح الأرض وإدارة الماء في نجد) بالإضافة إلى ورقة الدكتور/ علي المهيدب بعنوان (التاريخ الزراعي في الخرج في عهد الملك عبدالعزيز) ودور البعثة العراقية في ذلك وأوراق أخرى شبيهة بذلك، بينما تناول الدكتور/ فرحان الجعيدي الخرج في الخرائط الأجنبية القديمة، والتي تكشف لنا جانباً مهماً في ذلك، وتناولت بقية الأوراق العلمية جوانب مهمة في تاريخ اليمامة، مما جعل الحضور يتفاعل في معظم الأوراق العلمية المطروحة عبر المداخلات والنقاشات، كما أن ما طُرح شدّني تفاعلاً حول القراءة والبحث أكثر عن تاريخ هذه المنطقة.

أما الجانب الاجتماعي، والذي تمثل في استقبال أهالي الخرج ووجهائها لأعضاء الجمعية التاريخية فلم يكن بمستغربٍ منهم فهم ينتمون إلى قبائل عربية متعددة، وطبيعة العربِ إكرام الضيف واحترامه وتقديره والقيام بواجبه، وما رأيناه من تواضعٍ وتقدير يجعل هذه السطور خجلى من أن تسطّره وتصفه، ففي ظل الأمطار التي هطلت على المحافظة أثناء تواجدنا فقد أمطرونا بكرمهم وسموّ أخلاقهم واحتضاننا واحداً تلو الآخر عبر العناية الفائقة، حتى أننا نسينا الأجواء الباردة بوجود المشاعر الدافئة من أهلها، كما أنهم تلقّوا أعضاء الجمعية ببشاشة وسرور، حيث كانت تلك اللقاءات والزيارات تحمل بين طيّاتها روعةً وتألقاً وكأننا بين أهلنا، وهذه دلالة على غياب التعقيد في شخصية أبناء المحافظة.

ولا يسع هذه السطور أن تسترسل أكثر، فالجَمال لا يمكن أن تصفه بأكثر من ذلك، حيث تبقى روعته وإشراقته متجلّية فيما يختزنه من معانٍ سامية، تجسّده الممارسات السلوكية، فتحية شكرٍ وإجلال لكلّ من التقيناهم وأتحفونا بالروائع والدرر، ولا شك أن لهذا اللقاء انعكاسات كثيرة، تساهم في معاودة الزيارة لاكتشاف كنوزها التاريخية والبشرية.