النهار
بقلم - أ.عجاب الحنتوشي
في الخطاب الاجتماعي السائد، كثيرًا ما يُقدَّم الهدوء بوصفه قيمة أخلاقية مطلقة، فيما تُدان العصبية باعتبارها خللًا سلوكيًا يستوجب الإقصاء أو التوبيخ.
غير أن قراءة أعمق للسلوك الإنساني تكشف أن المعيار الحقيقي لا يكمن في نبرة الصوت، بل في صدق النوايا.
الإنسان العصبي غالبًا ما يكون واضحًا في ردود فعله؛ انفعاله مكشوف، وغضبه مباشر، وخطؤه ظاهر لا يتوارى خلف أقنعة.
قد يبالغ في التعبير، لكنه نادرًا ما يُتقن التلاعب أو التخفي، إذ تنطفئ حدّته سريعًا وتبقى نواياه في الغالب على السطح.
في المقابل، يبرز نمط آخر أكثر تعقيدًا وخطورة: الهدوء المتلبّس بالخبث والنفاق. هذا الهدوء لا يعكس اتزانًا نفسيًا بقدر ما يُخفي حسابات دقيقة، ومواقف مؤجلة، ومشاعر مُدارة بعناية.
صاحبه لا يرفع صوته، لكنه يُتقن توجيه الأذى بصمت، ويُجيد الحضور المريح بينما يعمل في الخفاء على تقويض الثقة أو تشويه العلاقات.
الفرق الجوهري بين النموذجين أن العصبي يخطئ أمامك، أما المنافق فيُخطئ عليك دون أن تشعر. الأول يُواجه، والثاني يُراوغ.
الأول قد يعتذر، والثاني نادرًا ما يرى في سلوكه ما يستدعي المراجعة، لأنه لا يترك أثرًا مباشرًا يُحاسَب عليه.
من هنا، يصبح من الضروري إعادة النظر في مقاييس الحكم على الأشخاص.
فالأخلاق لا تُقاس بدرجة الهدوء، ولا تُختزل في مظهر الاتزان، بل تُقاس بسلامة القصد ونقاء السلوك واستقامة الموقف، خصوصًا في غياب الرقابة.
إن المجتمعات لا تتضرر من الانفعال العابر بقدر ما تتضرر من النفاق المقيم.
فالعصبية سلوك يمكن تهذيبه وتوجيهه، أما الخبث حين يتخفى خلف الهدوء، فيتحول إلى خطر صامت يصعب كشفه أو احتواؤه.