النهار

٢١ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ ديسمبر-٢٠٢٥       36190

بقلم- أ. تركي عبدالرحمن البلادي 

نخطئ كثيراً حين نعتقد أن فهم الإنسان يبدأ من توقعاتنا عنه، بينما الحقيقة أن أول أبواب الفهم تُفتح عندما نتخلى عن تلك التوقعات. فالإنسان كما هو، كائن معقّد، لا يسير وفق صورة مثالية، ولا يلتزم دائماً بما نرسمه له في أذهاننا. بين ما ننتظره منه وما يستطيع تقديمه مسافة واسعة، وفي تلك المسافة تولد أغلب الخيبات.

نحن نحب أن نرى الآخرين في أفضل حالاتهم، ونتعلق بتصرفاتهم حين توافق ما نريده، ثم نندهش حين يتصرفون بما يخالف تصوراتنا لا لأنهم تغيّروا، بل لأننا لم نرهم كما هم منذ البداية الإنسان يحمل داخله مزيجاً من التناقضات قوة وضعف، وضوح وتردد، اندفاع وحذر. ومن غير المنصف أن نطالبه بأن يكون ثابتاً على صورة واحدة في كل الظروف.

كثير من العلاقات تنهار لا بسبب سوء النوايا، بل بسبب سوء الفهم نحمّل الإنسان فوق طاقته، ونطالبه بأن يكون حاضراً دائماً ، قوياً دائماً ، صادقاً بالطريقة التي نريدها نحن، لا بالطريقة التي يستطيعها هو وحين يعجز، نضعه في خانة التقصير، متناسين أنه لم يعدنا يومًا بالكمال.

الإنسان كما هو، لا يُقاس بلحظة واحدة، ولا يُختزل في موقف عابر قد يخطئ اليوم ويصيب غداً ، وقد يصمت حين نتوقع منه الكلام، أو يبتعد حين نطالبه بالبقاء ذلك لا يجعله سيئاً بالضرورة، بل يجعله إنساناً يتصرف وفق معطياته النفسية والظروف التي تحيط به، لا وفق رغبات الآخرين.

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما نخلط بين القبول والتبرير. قبول الإنسان كما هو لا يعني تبرير أخطائه، لكنه يعني إدراك حدوده أن نفهم أين تنتهي قدرته، وأين تبدأ مسؤوليتنا في حماية أنفسنا من المبالغة في التوقع. فالفهم لا يلغي المحاسبة، لكنه يمنع القسوة غير المبررة.

في زمن السرعة والضغط، أصبح الإنسان أكثر حذراً وأقل اندفاعًا في علاقاته. لم يعد يمنح ثقته بسهولة، ولا يفتح مساحته الداخلية لكل أحد. وهذا التحول لا يعني برود المشاعر، بل هو نتيجة طبيعية لتراكم التجارب. الإنسان يتغير حين يتعلم، ويتراجع حين يتألم، ويتحفظ حين يخيب أمله مراراً .

حين نتعامل مع الإنسان كما هو، نخفف كثيراً من صداماتنا اليومية نتوقف عن تفسير كل تصرف على أنه إساءة، وكل صمت على أنه تجاهل، وكل اختلاف على أنه خصومة. نمنح الآخرين حق أن يكونوا بشريين، ونمنح أنفسنا راحة التخلي عن المثالية الزائفة.

الخاتمة:
إن السلام الحقيقي لا يتحقق حين يتغير الناس من أجلنا، بل حين نراهم بوضوح دون أوهام. الإنسان كما هو… لا كما نريده، حقيقة تستحق أن تُفهم قبل أن تُحاكم، وأن تُدرك قبل أن تُدان. فحين نقبل هذه الحقيقة، نصنع علاقات أكثر اتزاناً، ونعيش بوعيٍ أقل خيبة، وأكثر إنصافاً.