الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ ديسمبر-٢٠٢٥       9845

بقلم ـ د. أحمد بن سعد بن غرم الغامدي 

إن هذا الوجود الذي نعيش في رحابه ليس صامتًا كما يتوهم الغافلون، ولا أعمى كما تصوّره الفلسفات المادية، بل هو ناطقٌ بالدلائل، متكلمٌ بالآيات، شاهِدٌ على وحدانية الخالق وعظيم أسمائه وصفاته. إن في كل ذرةٍ من ذراته سرًّا، وفي كل مجرّةٍ من مجرّاته حكمة، وفي كل كائنٍ من كائناته رسالة، وفي النفس الإنسانية – على وجه الخصوص – أعجب الآيات وأقرب البراهين.

إنه الكون الذي تتعانق فيه السماء والأرض، وتلتقي فيه المادة بالمعنى، ويشهد فيه المحسوس على الغيب، ويقود فيه النظر الصحيح إلى الإيمان الحق.

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.

الكون كتاب مفتوح للتوحيد

ليس القرآن وحده كتاب الهداية فقط ، بل الكون كلّه كتابٌ مفتوح، آياته مبثوثة في السماء والأرض، وسُطوره مكتوبة بلغة الخلق والإبداع. فمن تأمل حركة الأفلاك، وانتظام الليل والنهار، وتقدير الشمس والقمر، علم أن وراء هذا النظام إرادةً عالمة، وقدرةً حكيمة، لا يمكن أن تكون وليدة المصادفة ولا نتاج العمى.

فالمجرّات الهائلة، الممتدة في فضاءات لا تُحدّ، تتحرك وفق قوانين دقيقة لا تختل، ولو اختل منها جزء يسير لما قامت للحياة قائمة. والقوى الكونية المتقابلة – الجاذبية، والقوى النووية، والكهرومغناطيسية – متوازنة توازنًا معجزًا، بحيث لو زادت أو نقصت بمقدار ضئيل لانفرط عقد الكون كله. وهذا ما يسميه العلماء «الضبط الدقيق»، وهو في حقيقته شاهد صريح على التقدير الإلهي:

﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.

آيات في الذرة كما في المجرة

وإذا انتقلنا من عالم الاتساع الكوني إلى عالم الدقة الذرية، رأينا العجب الذي يخرّ له العقل ساجدًا. فالذرة – التي ظنها الإنسان يومًا لبنة صماء – تبيّن أنها عالمٌ نابض بالحركة، تدور مكوناته في نظام أعجب من دوران الكواكب. وفي أعماق المادة، حيث تتلاشى الحدود بين الطاقة والوجود، تظهر قوانين مدهشة تعجز العقول عن تفسيرها تفسيرًا ماديًا صرفًا.

وهنا يدرك المنصف أن هذا الكون ليس آلةً صماء، بل منظومة ذات معنى، وأن القوانين ليست بديلًا عن الخالق، بل هي أثرٌ من آثار حكمته، وسُنّة من سنن تدبيره. فالقانون لا يخلق نفسه، ولا يفسر ذاته، وإنما يدل على واضعه ومُجريه.

الإنسان: أعظم الآيات وأقربها

ثم تأتي الآية الكبرى: الإنسان. هذا الكائن الذي جمع الله فيه من الأسرار ما لا يحصى. جسدٌ دقيق البناء، تعمل أجهزته في تناغم مذهل، ونفسٌ ذات أعماق متشابكة، وعقلٌ قادر على التجريد والتأمل، وروحٌ تتطلع إلى ما وراء المادة.

وقد سبق القرآن الكريم كل النظريات النفسية حين صنّف النفس البشرية، وبيّن مراتبها، وربط سعادتها وطمأنينتها بمعرفتها بربها وتزكيتها له. فالنفس لا تشفى باللذة وحدها، ولا تستقر بالمال ولا بالسلطة، وإنما تطمئن حين تتصل بمصدرها الأعلى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

وهنا تعترف العلوم الإنسانية المعاصرة – رغم إنكارها الطويل – بفشل التفسير المادي البحت في فهم الإنسان، وبحاجتها إلى البعد الإيماني والأخلاقي والروحي، الذي لا يمنحه إلا الإيمان بالله.

الخلل الحضاري: حين انفصل العلم عن الإيمان

غير أن المأساة الكبرى في عصرنا ليست في قلة العلم، بل في فصله عن غايته. لقد سادت رؤية مادية نزعت العبرة والاعتبار عن الكون، وقطعت الصلة بين الخلق والخالق، فجعلت من العلم أداةً بلا بوصلة، ومن العقل صنمًا جديدًا، ومن المادة إلهًا يُعبد من دون الله.

وهكذا تحوّل الكون – في نظر هذه الفلسفات – من «آية» إلى «مادة»، ومن «دليل» إلى «صدفة»، ومن «معنى» إلى «فراغ». وكانت النتيجة فراغًا روحيًا هائلًا، وقلقًا وجوديًا عميقًا، وتوحشًا حضاريًا لم تشهد البشرية له مثيلًا.

وقد عبّر القرآن عن هذه الحالة أصدق تعبير:

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾.

دعوة إلى العلماء: استكمال الرسالة

ومن هنا تأتي الدعوة الصادقة، والنداء الصريح، إلى العلماء والمتخصصين في شتى المجالات:

يا من فتح الله عليكم بنور العلم، إن مسؤوليتكم أعظم من التخصص الضيق، وأجلّ من التوصيف البارد. إنكم حملة مفاتيح، وشهود على آيات الله في الخلق، وأمناء على الربط بين العلم والإيمان.

إن العالم المسلم لا يكتفي بأن يشرح «كيف» يعمل الكون، بل يفتح القلوب للسؤال الأهم: «لماذا؟ ولمن؟».

ففي الفيزياء باب إلى تعظيم القدرة،

وفي الطب باب إلى شهود الرحمة،

وفي الأحياء باب إلى إدراك الإحكام،

وفي علم النفس باب إلى فهم التزكية والهداية،

وفي الفلك باب إلى استشعار الجلال والعظمة.

وبهذا يكتمل الدور، وتتم الرسالة، ويعود العلم إلى موقعه الصحيح: جسرًا إلى التوحيد، لا حجابًا دونه.

خاتمة

إن التفكر في أسرار الكون ليس ترفًا ذهنيًا، ولا انشغالًا فلسفيًا، بل عبادة قلبية، ومسلك إيماني، وطريق يقود إلى تعظيم الله، ومعرفته، والانقياد له. وهو السبيل إلى بعث الفطرة، وإحياء الروح، وتحرير العقل من أسر المادة.

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.

تلك دعوة صادقة، وصرخة محبة، واستنهاض همم، إلى أن نعيد للكون معناه، وللعلم رسالته، وللإنسان وجهته:

أن يعرف الله… فيعبده عن بصيرة.