النهار
بقلم: د. خالد بن يحيى القحطاني
قبل أيام؛ فقدت الساحة الأدبية والثقافية أحد أعمدتها برحيل القامة والأديب الكبير أحمد أبو دهمان-رحمه الله- الذي لم يكن مجرد كاتبًا عابرًا، بل كان صوتًا عميقًا حمل مسؤلية (الذاكرة) للمكان وللانسان ، ليحافظ على ما كان (مهددًا) بالنسيان. لم يكن يكتب ليروي فقط، بل كتب (ليصون) الذاكرة.
كتب ليقول إن القرية ليست مكانًا نغادره، بل صوتًا يرافقنا مهما ابتعدنا. في (الحزام) لم يكن الزمن خطًا مستقيمًا، بل دائرة تعود دائمًا إلى البداية: إلى الطفولة، والأم، والاسم، والأرض ..
في ( الحزام) جعل (الأنثروبولوجيا) لوحة فنية نابضة بالحياة لها صوت ولها رائحة وطعم . العادات، الأنساب، الطقوس اليومية، وحتى الكلمات البسيطة، تحولت إلى تفاصيل مرئية تُحس ولا تُشرح، وجعل القارئ يعيش الثقافة من داخلها لا يقرأ عنها من بعيد.
في ( الحزام ) يقول " من لا يعرف نسبه لا يرفع صوته" وكأنّه كان يكتب وصيته الأدبية مبكرًا.
عرف جذوره جيدًا، فكتب منها، وبها، ولها. لم يزخرف لغته، ولم يتعجّل المعنى، بل سمح للأشياء الصغيرة أن تتكلم: الحجر، الأشجار، الأسماء، والذاكرة . .
برحيله لم نفتقد كاتبًا فقط، بل طريقة نادرة في النظر إلى الحياة، الى الذاكره، طريقة تؤمن أن الكتابة ليست هروبًا من الماضي، بل عودة صادقة إليه. سيظل أحمد أبو دهمان - رحمه الله - حاضرًا ما دامت القرية تُروى، وما دامت الذاكرة تجد من يصغي لها.
رحم الله من كتب ليبقى، لا ليعبر.