النهار

١٧ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ ديسمبر-٢٠٢٥       31185

بقلم - عبدالمحسن بن محمَّد الحارثي

المدرسة العرفجيَّة .. حين تتحول الثقافة إلى أسلوب حياة ، في مشهدٍ ثقافي تتكاثر فيه المنصات وتتناقص فيه القيمة ؛ يبرز الدكتور أحمد العرفج بوصفه حالة فكرية مميزة، لا تعتمد على كثافة الحضور بقدر ما تراهن على عمق الأثر واستمرارية المشروع.

فهو كاتب ومفكّر وأديب، استطاع عبر سنوات طويلة أن يرسّخ ما يمكن تسميته -دون مبالغة - بـ المدرسة العرفجية؛ حيث تصبح الثقافة ممارسة يومية، والفكرة جزءًا من الحياة العامة.


مشروع  " عرفجي" معرفي غزير ومتنوّع

تجاوزت مؤلفات الدكتور العرفج الخمسين كتابًا، إذْ تنوّعت  بين الفكر الاجتماعي، والمقالات الثقافية، والقراءات النقدية، في مسعى واضح لتوسيع دائرة الوعي العام.

وهو رقم لا يُقرأ بوصفه غزارة إنتاج فحسب، بل دلالة على مشروع معرفي متراكم، تشكّل عبر القراءة العميقة، والتجربة الحياتية، والاحتكاك المباشر بالواقع الاجتماعي.

الفكرة لديه لا تولد في الفراغ، بل تنمو في سياقها الطبيعي، متسقة مع مقولة كانط: «الفكر بلا مضمون أعمى، والمضمون بلا فكر أجوف».

كتابة تنحاز للإنسان

لا تنطلق الكتابة العرفجية من تنظيرٍ معزول أو خطابٍ نخبوي مغلق، بل من فهم دقيق لتحولات المجتمع وأسئلته.

نصوصه تحاور الواقع، وتفكك ظواهره، وتقترب من الناس بلغتهم دون أن تتنازل عن العمق. وهنا يبدو وكأنه يترجم عمليًا مقولة مونتسكيو: «من يكتب للناس، عليه أن يفهمهم أولًا».

سنان القلم ولسان البيان

يُعرف الدكتور العرفج بجرأته الفكرية ووضوحه التعبيري؛ فهو صاحب سِنان ولسان، يجمع بين حدّة الطرح ومسؤولية الكلمة.

لا يهادن في القضايا الفكرية، ولا ينزلق إلى الإثارة المجانية، بل يوازن بين الصراحة والأدب، مجسدًا روح الجاحظ حين قال: «المعاني مطروحة في الطريق، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ».

مشروع معرفي متنوع

تنقلت مؤلفات العرفج بين الفكر الاجتماعي، والمقالات الثقافية، والقراءات النقدية، في مسعى واعٍ لتوسيع دائرة الوعي العام. 
هذا التنوع لا يعكس تشتتًا، بل مرونة مشروع قادر على مخاطبة النخبة والجمهور معًا..وكما قال فرانسيس بيكون: «القراءة تصنع الإنسان الكامل»، فقد صنعت القراءة من العرفج عقلًا ناقدًا، وقلمًا حاضرًا في النقاش العام.

حضور إعلامي مسؤول

لم يكتفِ الدكتور العرفج بالكتاب الورقي، بل نقل الفكرة إلى الفضاء الإعلامي عبر مشاركاته المتعددة في القنوات الفضائية ومنصات التواصل الاجتماعي.. ويقدّم برنامجًا حواريًا فكريًا بعنوان «ياهلا بالعرفج»، يُعرض -بحسب المتداول- على قنوات روتانا، حيث أسهم في تقديم نموذج للإعلام الثقافي القادر على الجمع بين الجدية والجاذبية، مؤكدًا مقولة أرسطو: «غاية المعرفة ليست امتلاك الحقيقة فقط، بل القدرة على إيصالها».

أسلوب قريب وشخصية اجتماعية

يمتاز أسلوبه بالسهولة الممتنعة؛ لغة مفهومة، وأفكار واضحة، دون إخلال بالعمق أو تسطيح للمعنى، وهو ما جعل العرفجية مقروءة ومسموعة لدى مختلف شرائح المجتمع. 
وعلى المستوى الإنساني ؛ يتمتع بشخصية اجتماعية لافتة، يهوى المشي لما يمنحه من صفاء ذهني، ويعشق القراءة بوصفها عادة يومية لا تنفصل عن نمط حياته.

هوية واضحة وانتماء صريح

ولا يخفى على متابعيه انتماؤه الرياضي الاتحادي الواضح، وهو تعبير عن شخصية صادقة مع ذاتها، ترى في الانتماء جزءًا من الهوية، لا نقيضًا للعقل أو الثقافة.
ويمثل الدكتور أحمد العرفج أنموذجاً  للمثقف العضوي الذي يعيش داخل مجتمعه لا على هامشه، ويؤمن بأن الكلمة مسؤولية، وأن الفكر إن لم يُلامس الناس بقي حبيس الصفحات.

وكما تقول الحكمة العربية: «قيمة المرء ما يُحسن» ؛ فإن ما يُحسنه أحمد العرفج كثير.. فكرًا، وكتابة، وحضورًا.