الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ ديسمبر-٢٠٢٥       12595

بقلم ـ حذامى محجوب

من تونس، وخلال انعقاد الاجتماع الخامس والأربعين للجمعية العامة لاتحاد إذاعات الدول العربية، لم يكن النقاش مجرّد استعراض لإنجازات مؤسسية، بل مواجهة صريحة مع أسئلة جوهرية تتعلّق بمصير الإعلام العربي في زمن التحولات الرقمية المتسارعة. ففي قاعة المؤتمر، حيث اجتمعت القيادات الإعلامية العربية، بدا واضحًا أن الرهان لم يعد تقنيًا فحسب، بل أخلاقيًا ومهنيًا في المقام الأول.

في هذا السياق، جاءت كلمة الدكتور محمد فهد الحارثي، رئيس اتحاد إذاعات الدول العربية، لتشكّل محور النقاش ومفتاحه. الحارثي لم يتحدث عن الإعلام بوصفه صناعة تلاحق الشهرة، بل كرسالة مهددة بالانحراف إذا فقدت بوصلتها. تحذيره من التزاحم الإخباري الذي تقوده منصات التواصل الاجتماعي، ومن وهم الأرقام والمؤشرات السطحية، لم يكن توصيفًا عابرًا، بل تشخيصًا دقيقًا لمأزق إعلامي يتطلب وقفة مراجعة شاملة.

من على منبر الجمعية العامة، شدد الحارثي على أن جودة المحتوى وصدقيته تظلّان المعيار الحقيقي لأي نجاح مستدام، معتبرًا أن السباق المحموم نحو الانتشار قد يحوّل الإعلام إلى مجرد ضجيج، إذا لم يُضبط بمعايير المهنة وأخلاقياتها. وهو موقف يعكس رؤية واضحة لدور الاتحاد كحارس للمعنى، لا كمجرد إطار تنسيقي.

ولم يكن هذا الخطاب منفصلًا عن الممارسة. فقد استحضر رئيس الاتحاد، خلال الاجتماع ذاته، الدور الذي اضطلع به اتحاد إذاعات الدول العربية في نقل حقيقة ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، مؤكدًا أن الدفاع عن الحقيقة في مثل هذه القضايا ليس خيارًا تحريريًا، بل مسؤولية أخلاقية تفرضها طبيعة الرسالة الإعلامية. من هنا، اكتسبت إشاراته إلى التغطية الميدانية والتعاون مع المنظمات الدولية بعدًا يتجاوز الخبر إلى الشهادة.

انعقاد المؤتمر في تونس أضفى بدوره رمزية إضافية على النقاش، إذ احتضنت العاصمة اجتماعًا يطمح إلى إعادة تعريف وظيفة الإعلام العربي، في لحظة إقليمية ودولية مضطربة. وبينما طُرحت قضايا التطوير التقني والذكاء الاصطناعي والتدريب، ظلّ الثابت في خطاب القيادة هو أن الأدوات، مهما تطورت، لا قيمة لها إن لم تُسخّر لخدمة مضمون مهني يحترم عقل المتلقي وحقه في الحقيقة.

وإذ ناقش المؤتمر أيضًا آفاق الاستدامة المالية وتعزيز المشاريع الاستثمارية للاتحاد، بدا واضحًا أن الاستقلال الاقتصادي يُنظر إليه كشرط ضروري لحماية القرار الإعلامي من الضغوط، وضمان قدرة الاتحاد على الاستمرار في أداء دوره التنويري.

هكذا، لم يكن الاجتماع الخامس والأربعون للجمعية العامة لاتحاد إذاعات الدول العربية محطة إجرائية عابرة، بل لحظة وعي جماعي بأن الإعلام العربي مدعو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى الدفاع عن معناه، كما دافع طويلًا عن حضوره. وفي قلب هذا الوعي، برز خطاب محمد فهد الحارثي كتأكيد على أن المعركة الحقيقية ليست مع سرعة الخبر، بل مع صدقه.