النهار
بقلم - سلمان المشلحي
تظلّ نعمة المطر واحدةً من أعظم الهبات الإلهية، التي تُجدّد في النفوس معنى الرجاء، وتبثّ الحياة في الأرض بعد جدبها، يستبشر بها الناس ويفرح لها الصغير قبل الكبير؛ وتلاحقها عيون الهواة، وتتابع مساراتها الرادارات ووسائل الإعلام، حتى إذا هطلت، عطّرت الأرض، واكتست الطبيعة ثوبها الأخضر، وتسابق الناس للاستمتاع بمشاهدها وما تحمله من جمالٍ وبهجة.
وفي بلادنا، لا تمرّ مواسم المطر مرور العابر، بل تتحول إلى ذاكرةٍ جميلة، نتناقل أخبارها، ونؤرخ بها أعوامنا، وننتظر ما يعقبها من ربيعٍ نذكره سنين طويلة، هي نعمة لا يوازيها ثمن؛ يفرح بها المزارع، ويترقب خيرها، ويستبشر بها أهل المواشي وهم يجوبون الصحاري.
غير أن القلب يعصره الألم، حين تتحول هذه النعمة، في بعض الأحيان، إلى لحظات خوفٍ وحزن، بفعل تصرفات متهورة، ومغامرات غير محسوبة يقدم عليها بعض شبابنا في مواسم الأمطار، إذ نشاهد مقاطع مصوّرة لشاب يعبر وادياً تجري فيه السيول لمجرد التقاط صورة، أو لآخر يستعرض بسيارته ليبرهن أن هذا الطراز أقوى من ذاك، وكأن الأرواح رهينة تجربة عابثة، والنتائج – للأسف – كارثية، تنفطر لها قلوب الآباء والأمهات.
نراهم يجازفون بعبور الأودية، أو يقتربون من مجاري السيول، ويستعرضون بسياراتهم أمام قوة الماء، طلباً للمتعة، أو توثيق لحظة عابرة، غير مدركين أن خلف كل شابٍ أماً سهرت خوفاً، وأباً ينتظر عودة ابنه سالماً، وأسرةً لا تحتمل خبراً موجعاً، أو صورة حزنٍ تُضاف إلى الذاكرة.
لسنا نلوم بقدر ما نناشد، ولا نعاتب بقدر ما نخاف – نخاف عليكم – وعلى أحلامكم، وعلى مستقبلٍ نريده آمناً مطمئناً، وذلك لما تسببه هذه الممارسات من إرباك لجهود الدفاع المدني والجهات المعنية، التي تسخّر إمكاناتها ليلاً ونهاراً لحماية الأرواح والممتلكات، وتتعامل مع الموقف كواجبٍ إنساني لا يحتمل العبث أو الاستعراض.
رفقًا بنا أيها الأبناء… فمغامراتكم لا تؤذيكم وحدكم، بل تترك وجعاً طويلاً في قلوب أهاليكم، وتستنزف جهود دولةٍ مباركة، تبذل الغالي والنفيس لحماية الإنسان، وصون حياته ومقدراته.
إن شكر نعمة المطر، لا يكون بتحدي أخطارها، بل بالحذر، وبالفرح بها دون تهور، وأن نستقبل الغيث كما أراده الله رحمةً وخيراً، لا سبباً للفقد والحزن، فعودوا إلى بيوتكم سالمين، فسلامتكم أغلى من أي مشهد، وأثمن من أي مغامرة.