النهار
بقلم - لواء م عبدالله ثابت العرابي الحارثي
أرى خَلَلَ الرمادِ وميضَ جمرٍ
ويوشكُ أن يكونَ لهُ ضِرامُ
فإنَّ النارَ بالعودينِ تُذكى
وإنَّ الحربَ أوّلُها كلامُ
فإنْ لم يُطفِئْها عُقَلاءُ قومٍ
يكونُ وقودُها جُثَثٌ وهامُ
ليست هذه الأبيات من عيون الشعر العربي لجمال سبكها فحسب، بل لأنها تحمل رسالة أخلاقية وإنسانية عميقة، تتجاوز زمن أبي تمّام لتخاطب المجتمعات في كل عصر. فهي قراءة واعية لما يختبئ تحت السكون الظاهري من بوادر فتنة، وتحذير صريح من إهمال البدايات الصغيرة التي تتحول – إن تُركت – إلى حرائق تأتي على ما تبقى من علاقات ومودة.
الفتن الاجتماعية لا تولد عظيمة، ولا تبدأ مدمّرة، بل تنشأ غالبًا من سوء فهم، أو كلمة طائشة، أو موقف لم يُحسن احتواؤه. غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الشرارة الأولى، بل في غياب من يبادر لإطفائها. وهنا تتجلى مسؤولية العقلاء، وأهل الحكمة، وأصحاب القبول الاجتماعي، الذين كانوا عبر التاريخ صمّام أمان المجتمعات، وركيزة توازنها عند الاختلاف.
ما نراه اليوم مؤلم ومقلق؛ تراجعٌ مخيف في ثقافة الإصلاح، وانحسارٌ لدور الوجهاء، وغيابٌ لمبادرات الحكمة التي كانت يومًا ما تسبق الخلاف قبل أن يستفحل. أصبحت جسور المحبة هشة، لا تصمد أمام أول اختبار، وانفرط عقد الأخوّة بين إخوة جمعتهم سنوات طويلة، وأبناء عم فرّقتهم كلمة، وأصدقاء وجيران أفسدت بينهم لحظة غضب ما بنته الأعوام.
الإصلاح بين الناس ليس عملًا عابرًا، ولا مهمة سهلة، بل هو جهاد أخلاقي يتطلب نية صادقة، وعدلًا منزّهًا عن الهوى، وحكمة تُحسن الاستماع قبل الحكم، وصبرًا على ما قد يواجهه المصلح من أقاويل وتشكيك واتهام. ومع ذلك، يبقى الإصلاح من أنبل الأعمال وأعظمها أثرًا، لأنه يحفظ كرامة الناس، ويصون الروابط، ويمنع تحوّل الخلافات البسيطة إلى خصومات مزمنة.
العقلاء لا ينتظرون أن يُطلب منهم التدخل، ولا يقفون على هامش الخلاف حتى يتعقّد، بل يبادرون حين يرون الخلل، ويسعون حيث يشعرون بالخطر، ويطفئون الجمر قبل أن يستعر الضِّرام. فهم يدركون أن التأخير خذلان للحكمة، وأن الصمت في موضع الإصلاح مشاركة غير مباشرة في اتساع الفتنة.
إن المجتمعات لا تنهار من كثرة الخلافات، بل من غياب من يُحسن احتواءها، ولا تفقد تماسكها بسبب حدّة الخصومة، بل بسبب ضعف صوت العقل. وحين يغيب العقلاء، يصبح وقود الفتن – كما حذّر أبو تمّام – جثث العلاقات وهام المودة، وتتحول الأخوّة إلى ذكرى، والوصال إلى حسرة لا تنفع بعدها الندامة