النهار
بقلم - عبدالمحسن محمَّد الحارثي
ما قبل يوم التكريم ، حين يُستدعى التاريخ ؛ ليقف احترامًا تكريماً للرَّمز الراحل رمز الاتحاد صاحب السمو الملكي الأمير طلال بن منصور رحمه الله.
ما قبل يوم التكريم ؛ لا نكون أمام مناسبة، بل أمام امتحان للذاكرة ،
فالكيانات الكبيرة لا تُقاس بما ترفعه من كؤوس فقط، بل بما تحفظه من أسماء، وبقدرتها على أن تقول للتاريخ: لم ننسَ الاتحاد، وهو أحد أعرق رموز الرياضة السعودية ؛ حينما مرّ بلحظات لم يكن فيها الفوز هو التحدي، بل البقاء ذاته.
وفي تلك المرحلة المفصلية، قبل ما يقارب خمسة عقود ؛ ظهر اسمٌ لم يُقدَّم كمنصب، بل كمسؤولية: صاحب السمو الملكي الأمير طلال بن منصور رحمه الله..
كان سموه يؤمن بأن الاتحاد ليس فريقًا يُدار، بل كيانًا يُصان، وكان يقول:
«الاتحاد أمانة .. ومن يحمل الأمانة لا يسأل: ماذا سأكسب؟ بل يسأل: ماذا سيبقى؟»
و يقول عن الاتحاد:
«الاتحاد ليس فريقًا..الاتحاد حالة عشق، ومن يعشقه لا يتركه في الشدة" وحين جاءت الشدة، لم يتركه.
وقوله المشهور :
«الاتحاد أمانة في أعناق رجاله، والتاريخ لا يرحم من يفرّط في الأمانة".
في زمنٍ عزّ فيه المتقدمون، تقدّم..
وفي وقتٍ كان الصمت أسهل ؛ اختار المواجهة ، فأنقذ المسيرة، وحمى الاسم، وأعاد للاتحاد توازنه، دون ضجيج، ودون انتظار ثناء.
وهنا تتجلّى حكمة الرياضيين حين يقول أحدهم:
«القادة الحقيقيون لا يصنعون المجد .. بل يمنعون السقوط".
وما قبل يوم التكريم، فإن استدعاء اسم الأمير طلال بن منصور ليس حنينًا، بل توثيق لحقيقة تاريخية، وعدلٌ تأخر، لكنه لم يسقط.
ومن هذا المعنى تحديدًا، جاء دور مجموعة أجيال الاتحاد؛ تلك المجموعة الرياضية الاجتماعية التي وُلدت من رحم الوفاء، لتكون ذاكرة الاتحاد الحيَّة.
أسسها الكابتن بدر عمرو، وشاركه العضوية كل من الكابتن طلال سنبل، والكابتن هاني باخشوين - رحمهُ الله تعالى - والرئيس الفخري -عكّاز الاتحاد - الكابتن المهندس عبدالله بن بكر، واضعين نصب أعينهم هدفًا واحدًا: تكريم كل اتحادي خدم، وكل اسمٍ أعطى، وكل رجلٍ مرّ وترك أثرًا.
أجيال الاتحاد لا تختار أسماءها بعاطفة، بل بتاريخ.
ولا تكرّم الأشخاص لأنهم غابوا، بل لأن أثرهم لم يغب.
أجيال الاتحاد لا تكرّم اسمًا واحدًا، بل تستعيد ذاكرة نادي كامل.
تكرّم من طوتهم السنين، ومن غادروا الملاعب، ومن صنعوا المجد بصمت. وكما قال أحد كبار الرياضيين:
«الأندية الكبيرة لا تُقاس بعدد بطولاتها فقط، بل بقدرتها على حفظ أسماء من صنعوا بقاءها".
وفي هذا المقام ؛ يصدق قول أرسطو:
«العدل أن يُعطى كل إنسان ما يستحق".
ويقول الحكماء:
«من لا يعرف فضل من سبقه ؛ لن يعرف طريق من بعده".
أما الأمير طلال بن منصور، فقد لخّص فلسفته في مقولة بقيت شاهدة:
«الاتحاد لا يعيش بالأسماء الكبيرة، بل بالمواقف الكبيرة".
وما قبل يوم التكريم؛ فإن الوقوف عند هذا الاسم، ليس رفعًا لشخص، بل رفعًا لقيمة الوفاء نفسها.
فالوفاء في الرياضة ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة تاريخية؛ لأن الأندية التي تنسى رجالها، تنسى نفسها.
كما قال يوهان كرويف:
«التاريخ لا يُكتب بالأهداف فقط، بل بالقرارات التي منعت الانهيار".
وهنا ؛ يقف الاتحاد، قبل يوم التكريم، ليقول بلسان أجياله:
نحن نعرف من أنقذ المسيرة،
ونعرف من حمل العبء،
ونعرف أن الوفاء.. لا يسقط بالتقادم.
ما قبل يوم التكريم ؛ نُعيد ترتيب الذاكرة، ونضع الأمير طلال بن منصور، رحمه الله، في مكانه الطبيعي:
رمزًا أنقذ الاتحاد، فبقي الاتحاد.
يقول الحكماء :
«الجميل دين، والوفاء سداد".
وما يقوم به أجيال الاتحاد اليوم ؛ هو سداد لدينٍ قديم، مستحق، لرجلٍ لم ينتظر التكريم، لكنه يستحقه كاملًا غير منقوص!!
قيل : «الأمم العظيمة لا تكرّم أبطالها لأنهم رحلوا، بل لأنهم بقوا في الضمير".
وفي هذا الضمير الاتحادي؛ يقف الأمير طلال بن منصور، رحمه الله، رمزًا للإنقاذ، وعنوانًا للوفاء، وشاهدًا على أن الاتحاد..حين ضاق به الزمن ؛ وجد رجاله!!