النهار

١٣ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ ديسمبر-٢٠٢٥       9845

بقلم -  عبدالمحسن محمد الحارثي

حين وُلد الوعي ؛ لم يولد جوابًا، بل ارتعاشة سؤال.
وحين تعلّم الإنسان الكلام ؛ لم ينطق بالحقيقة، بل سأل عنها.
فالسؤال ليس نقصًا في المعرفة، بل علامة حياة فيها، أما الجواب ؛ فليس نهاية الطريق، بل حجرٌ مؤقّت يُوضَع ليستريح عليه الفكر قبل أن يواصل السير.
قال سقراط:
«الحكمة الحقيقية هي أن تعرف أنك لا تعرف».
ومن هذا الاعتراف وُلد السؤال، لا الجواب.. وإليك بعض التساؤلات العميقة :

أيّهما أقوى .. السؤال أم الجواب؟!

القوة ليست في الامتلاك، بل في القدرة على التحريك.
والسؤال كريحٍ خفيّة، لا تُرى، لكنها تُحرّك السفن وتغيّر الاتجاهات.
أما الجواب، فهو كمرسى: يمنح الطمأنينة، لكنه يوقف الحركة.
يقول كارل بوبر:
«العلم لا يتقدّم بالإجابات النهائية، بل بالأسئلة الجريئة».
فالجواب يُغلق دائرة، بينما السؤال يفتح دوائر لا نهائية.
ولهذا ..فإن السؤال أقوى ؛ لأنه قادر على زلزلة الجواب، أما الجواب فلا يقوى على إسكات سؤال صادق.
وقيل: أنَّ الجواب يملك صوتًا، لكن السؤال يملك الزمن.

وأيّهما أجرأ .. جرأة الاقتحام أم جرأة التفسير ؟!
السؤال فعل اقتحام..
هو عبور غير مأذون إلى مناطق مُسيّجة باليقين، وكشفٌ لأسوارٍ اعتُبرت مقدّسة.
من يسأل ؛ يُعرّي السلطة، ويُربك السائد، ويضع نفسه في مواجهة المجهول.
أما الجواب ؛ فكثيرًا ما يبحث عن مأوى: نصّ، منهج، سلطة، أو إجماع.
قال ميشيل فوكو:
«كل سؤال حقيقي هو شكل من أشكال المقاومة».
ولهذا .. فإن السؤال أجرأ ؛ لأنه لا يضمن لنفسه النجاة، بينما الجواب كثيرًا ما يُصاغ ليحمي صاحبه.
وفي الحكمة ، قيل : السؤال يمشي حافيًا فوق الشك، والجواب يرتدي حذاء الاطمئنان.

أيّهما أجدر ..استحقاق الفكر أم استحقاق النظام؟!

الأجدر ليس الأوضح، بل الأصدق مع غايته.
فإن كانت الغاية هي الفكر  ، فالسؤال أجدر ؛ لأنه يعترف بعدم الاكتمال.
وإن كانت الغاية هي التنظيم، فربما كان الجواب أجدر ؛ لأنه يمنح شكلًا ومعيارًا.
غير أن الفلسفة لا تبحث عن الطمأنينة، بل عن الصدق.
يقول إيمانويل كانط:
«الفكر الذي يتوقف عن السؤال يتحوّل إلى عقيدة».
والعقيدة، حين تفقد السؤال ؛ تفقد استحقاقها العقلي.
وفي الأمثال ، يُقال : الجواب يُجيد الترتيب، لكن السؤال يُجيد الكشف.

فأيّهما أكبر ..الامتداد أم الاكتمال؟!

السؤال لا يشيخ..
سؤال العدالة، وسؤال المعنى، وسؤال الحرية ؛ ما زالت حيّة منذ آلاف السنين، رغم آلاف الأجوبة.
أما الجواب ؛ فابنُ لحظته، يشيخ بتغيّر المعرفة والزمان.
قال مارتن هايدغر:
«السؤال هو تقوى الفكر».
وما كان تقوى الفكر ؛ لا يمكن أن يكون صغيرًا أو عابرًا.
وما أوضح هذه العبارة : الجواب صفحة، والسؤال كتاب مفتوح.

السؤال والحرية رابطة المصير!!

الحرية لا تبدأ بالاختيار، بل بالسؤال: لماذا أختار؟
وكل سلطة تخشى السؤال ؛ لأنها تعلم أن السؤال يُسقِط المسلّمات دون عنف.
يقول جون ستيوارت ميل:
«كل رأي لا يُسمح بمساءلته يتحوّل إلى استبداد».
فالجواب، حين يُفرَض ؛ يصبح قيدًا..
أما السؤال، فهو ممارسة يومية للحرية ؛ حتى حين لا يجد جوابًا.
وفي أعماق المعنى ؛ نجد أنَّ الحرية لا تسكن في الجواب، بل في الحق في مساءلته!!

* انحياز هادئ للسؤال*

ليس في هذا الجدل انتصارٌ نهائي..
فالجواب ضرورة، والسؤال حياة.
لكن حين نُجبَر على الانحياز ، فإن الفكر الحُرّ ينحاز للسؤال ؛ لأنه وحده يضمن ألا يتحوّل الجواب إلى صنم، ولا المعرفة إلى سجن.
فإذا مُنع السؤال ؛ مات الجواب واقفًا..
وإذا عاش السؤال ؛ ظلّ الجواب حيًّا، متواضعًا، وقابلًا للتجدد!!