النهار
بقلم - جمعان الكرت
يُعدّ الطفل أحد أهم مكوّنات المجتمع، ولا يمكن لأي مجتمع أن يكون متعافياً وسليماً ما لم يُولِ هذه الشريحة عناية خاصة، تتكامل فيها أدوار الجهات المعنية ببنائه معرفيًا وثقافيًا وسلوكيًا. وأقصد بالجهات المعنية: الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، ووسائل الإعلام المتنوعة.
فالأسرة هي النواة الأساسية التي تؤثر في تكوينه الجسمي والنفسي والاجتماعي، ومنها تبدأ عملية البناء، إذ تُشكّل البيئة الثقافية الأولى التي يتعلم فيها الطفل اللغة والقيم والمعارف، ويتدرّب على السلوك القويم. ثم ينتقل إلى مرحلة لا تقل أهمية: المدرسة التي تمثّل بيته الثاني، حيث يلتقي بأقرانه ويؤثر ويتأثر بهم، وفيها تتم عمليتا التعليم والتعلّم، إلى جانب استكمال دور الأسرة في ترسيخ القيم والمثل والمعارف.
إلا أنّ أبرز المآخذ على التعليم في الوطن العربي يكمن في التركيز على التلقين وحشو ذهن الطفل، ليشبّ الطفل حافظًا أكثر منه مفكّرًا. وفي المقابل، تظلّ العمليات العقلية العليا – التي تُسهم في صناعة المبدعين والمبتكرين – في هامش الاهتمام. ورغم المحاولات الجادة لتحويل التعليم من صورة جامدة إلى أخرى أكثر تأثيرًا، إلا أن تلك الجهود كثيرًا ما تصطدم بصخرة البيروقراطية الراسخة. ولعلّ عملية الدمج الجديدة تبشّر بفكّ بعض تلك القيود، فالأمم لا تنهض إلا بالتعليم الفاعل.
أما خارج أسوار المدرسة، فيبرز المجتمع والإعلام بوصفهما مؤثرين قويين في الطفل. وقد أصبح الإعلام – لاسيما المرئي – منافسًا شرسًا للأسرة والمدرسة في إكساب المعارف والسلوكيات، بما يحمله من جاذبية وإدهاش وانسياب مباشر إلى عيني وأذني الطفل. وفي ظل هذا الزخم الهائل من الوسائط الإعلامية، تتباين المضامين بين ما يهدف للترفيه أو الربح التجاري دون اعتبار للقيم الأصيلة، وما يسعى إلى البناء الحقيقي.
ومع الأسف، استطاعت بعض المواد الإعلامية استمالة أذواق الأطفال والسيطرة على عقولهم، مما يضعهم أمام ازدواجية خطيرة بين ما ينبغي أن يكون وفق توجيه الأسرة والمدرسة، وبين ما تقدمه تلك البرامج التي لا تراعي احتياجات الطفل النفسية والاجتماعية والعقلية. وحين يكون دور المدرسة ضعيفًا – بسبب اقتصار التعليم على المستويات الدنيا من هرم “بلوم” – تصبح حصانة الطفل هشّة يسهل اختراقها.
وهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى نهوض وسائل الإعلام العربية بدورها الحقيقي، عبر تقديم محتوى يخاطب العاطفة ويحترم العقل، ويوضّح قيم الخير والشر وآثارهما، ويُثري الخيال الإيجابي، ويحافظ على اللغة العربية بالفصحى، وينسجم مع البرامج التربوية، مع تنويع المواد الإعلامية والارتقاء بمستواها الفني.
وتقع على المؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية مسؤولية كبيرة في إثارة هذه القضية الجوهرية، ليس بهدف منع “الغزو الفضائي” – فهذا غير ممكن – بل عبر تقديم رسالة إعلامية تعزّز ثقافتنا وتمنح الطفل حصانة نفسية وعقلية ووجدانية أمام سيل الرسائل الإعلامية القادمة من كل حدب وصوب.
وإذا عدنا إلى المدرسة، نجد أن دور المسرح التربوي شبه غائب، كما نفتقر إلى مجلات أطفال ذات عمق ثقافي ومعرفي، وما زلنا – للأسف – لم نتجاوز الخطوة الأولى في صناعة أفلام الكرتون أو إنتاج الألعاب الإلكترونية بنكهة محلية تعكس هويتنا.
ومضة:
إهمال الطفل أشبه بوضع ورقة بيضاء خفيفة في مهبّ الريح… تتقاذفها الاتجاهات، ولا أحد يضبط مسارها