حسين السنونة - النهار
يؤكد د. خالد بن إبراهيم السليطي مدير عام المؤسسة العامة للحي الثقافي كتارا في دولة قطر لـ"صحيفة النهار السعودية" ان المشهد الثقافي السعودي خلال السنوات الأخيرة نهضة نوعية لافتة، يمكن وصفها بأنها انتقال مدروس إلى مرحلة جديدة من الوعي الثقافي والإبداعي. فقد استطاعت المملكة، عبر رؤية واعية ومؤسسات ثقافية فاعلة، أن تبني بيئة ثقافية متكاملة تُشجع على الإنتاج المعرفي، وتحتضن المبدعين، وتُعيد الاعتبار لصناعة الكتاب والرواية بوصفهما ركيزتين أساسيتين في بناء الوعي المجتمعي.
وقد بدت هذه الطفرة واضحة في اتساع حركة التأليف والنشر، وازدهار الجوائز الأدبية، وتنامي حضور الرواية السعودية عربيًا ودوليًا، إلى جانب التطور الكبير في البنية التحتية الثقافية من معارض للكتاب، ومنصات رقمية، وبرامج تدريبية، ومبادرات تعنى بصناعة المحتوى. كل ذلك أسهم في خلق حراك ثقافي حقيقي يتفاعل مع القارئ والمبدع معًا، ويضع الثقافة السعودية في موقع مؤثر ضمن خارطة الثقافة العربية.
س- دشّنتم مؤخرًا كتابكم الجديد "إدارة العلامات التجارية بين الشركات – نسخة قطر"، وهو نتاج خبرة طويلة تجمع بين العمل الأكاديمي والقيادة التنفيذية في مجالات الثقافة والتعليم والقطاع المالي داخل قطر وخارجها. وانطلاقًا من سجلّكم الحافل في التفكير الاستراتيجي والابتكار وإدارة المشاريع وتطوير الأداء المؤسسي؛ كيف ترون اليوم موقع العلامة التجارية القطرية في بيئة الأعمال الإقليمية والدولية؟
- تُعدّ العلامة التجارية القطرية اليوم واحدة من أبرز العلامات الصاعدة على مستوى المنطقة، ويعود ذلك إلى رؤية وطنية واضحة تستثمر في الإنسان والمعرفة والثقافة والاقتصاد. إن قطر استطاعت خلال السنوات الماضية أن تبني هوية قوية ومتفرّدة، مستندة إلى الدبلوماسية الثقافية، والتنمية الاقتصادية المتوازنة، والاستثمار في البنية التحتية، فضلًا عن قدرتها على تنظيم أحداث كبرى تركت بصمة عالمية.
ومن خلال بحثي الأكاديمي وخبرتي العملية في إدارة العلامات التجارية، أرى أن العلامة الوطنية لقطر تمتلك اليوم عناصر قوة نادرة: الوضوح، والثبات، والقدرة على التطور، والأهم من ذلك أنها تستمد أصالتها من قيم المجتمع القطري وثرائه الثقافي. ومع استمرار الجهود المؤسسية في دعم الابتكار والتحول نحو اقتصاد المعرفة، فإن قطر مستعدة لتعزيز حضورها في بيئة الأعمال الدولية لتصبح نموذجًا يحتذى به في بناء العلامات التجارية الوطنية.
س- ما الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات الثقافية – وعلى رأسها كتارا – في تعزيز قوة العلامة الوطنية وصناعة صورة ذهنية مستدامة عن قطر؟
- تلعب كتارا دورًا محوريًا في دعم العلامة الوطنية وتعزيز القوة الناعمة لدولة قطر. فالمؤسسة، بما تضمه من مرافق ثقافية وإبداعية، أصبحت اليوم بوابة رئيسية للتواصل بين قطر والعالم، ومنصة تنعكس من خلالها قيم الانفتاح، والتنوع، والإبداع، والتمسك بالتراث.
ومن خلال الفعاليات الدولية، والمهرجانات، والمشاريع الثقافية المتنوعة التي تحتضنها كتارا، فإنها تقدم صورة ذهنية متكاملة عن دولة قطر؛ صورة تُبرز قدراتها التنظيمية، وثراءها الثقافي، واهتمامها بتعزيز الحوار بين الشعوب.
كما أن كتارا تسهم بشكل مباشر في دعم العلامة الوطنية من خلال تبنّي معايير عالية في الجودة والابتكار، وإطلاق مبادرات تُسهم في رفع الوعي الثقافي والفني، مما يجعلها عنصرًا فاعلًا في بناء الثقة والتقدير لاسم قطر عالميًا. وبفضل هذا الدور، أصبحت كتارا ركيزة أساسية في مكونات القوة الناعمة للدولة، وشريكًا مهمًا في رسم ملامح الهوية الثقافية الحديثة لدولة قطر.
س - كيف يقرأ سعادة الدكتور السليطي تطوّر المشهد الثقافي السعودي في السنوات الأخيرة، خصوصًا مع القفزة النوعية في صناعة الكتاب، ودعم الرواية، وازدهار المنصات الثقافية في المملكة؟
- لقد شهد المشهد الثقافي السعودي خلال السنوات الأخيرة نهضة نوعية لافتة، يمكن وصفها بأنها انتقال مدروس إلى مرحلة جديدة من الوعي الثقافي والإبداعي. فقد استطاعت المملكة، عبر رؤية واعية ومؤسسات ثقافية فاعلة، أن تبني بيئة ثقافية متكاملة تُشجع على الإنتاج المعرفي، وتحتضن المبدعين، وتُعيد الاعتبار لصناعة الكتاب والرواية بوصفهما ركيزتين أساسيتين في بناء الوعي المجتمعي.
وقد بدت هذه الطفرة واضحة في اتساع حركة التأليف والنشر، وازدهار الجوائز الأدبية، وتنامي حضور الرواية السعودية عربيًا ودوليًا، إلى جانب التطور الكبير في البنية التحتية الثقافية من معارض للكتاب، ومنصات رقمية، وبرامج تدريبية، ومبادرات تعنى بصناعة المحتوى. كل ذلك أسهم في خلق حراك ثقافي حقيقي يتفاعل مع القارئ والمبدع معًا، ويضع الثقافة السعودية في موقع مؤثر ضمن خارطة الثقافة العربية.
إنّ ما نشهده اليوم في المملكة يعكس رؤية ثقافية طموحة، تُعيد صياغة علاقة المجتمع بالثقافة، وتفتح آفاقًا واسعة أمام الكتاب والروائيين السعوديين ليكونوا جزءًا من الحضور الثقافي العالمي. وهو مسار يبعث على الإعجاب، ويؤكد أنَّ الاستثمار في الثقافة هو استثمار في المستقبل.
س - في الدورة الحادية عشرة من جائزة كتارا للرواية العربية، خصّصتم الاحتفاء بالرواية السعودية… ما الذي وجدتموه في التجربة السردية السعودية من عناصر تستحق هذا التكريم، وكيف تقيمون حضورها في المشهد العربي؟
- إنَّ تخصيص جائزة كتارا للرواية العربية في دورتها الحادية عشرة للاحتفاء بالرواية السعودية لم يكن قرارًا عابرًا، بل جاء استنادًا إلى قراءة واعية لمسيرة سردية طويلة وراسخة. فالرواية السعودية ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها لعقود من التجريب والبحث والاشتغال الإبداعي الذي أسسه روائيون كبار تركوا أثرًا عميقًا في المشهد العربي.
لقد وجدنا في التجربة الروائية السعودية نضجًا فنيًا وفكريًا يستند إلى تاريخ ممتد من التراكم الإبداعي، وإلى قدرة واضحة على التعبير عن تحولات المجتمع ورحلة الإنسان السعودي في علاقته بالمكان والهوية والتغيير. كما لمسنا تنوعًا ثريًا في الأساليب والرؤى، بين الواقعية والرمزية والتجريب، مما أتاح للرواية السعودية أن تكون حاضرة بقوة في المشهد العربي، ومؤثرة في خطابه النقدي والسردي.
أما على مستوى الحضور العربي، فقد أثبتت الرواية السعودية مكانتها منذ سنوات طويلة عبر أعمال لاقت انتشارًا واسعًا، وحققت حضورًا معتبرًا في الجوائز والمحافل الثقافية والملتقيات الأدبية. ولذلك جاء هذا الاحتفاء في كتارا بمثابة تكريم لمسيرة ناضجة، وتقدير لتجربة روائية أسهمت في إثراء الوجدان العربي، ورسّخت حضور الرواية السعودية في المشهد السردي الأوسع.
س - احتفاء كتارا بالدكتور غازي القصيبي بوصفه ضيف شرف ليس مجرد تكريم لاسم سعودي كبير، بل تكريم لقيمة فكرية عربية… كيف تنظرون إلى أثر القصيبي في الوجدان الثقافي العربي، وما الذي يعنيه لكم استحضار تجربته في منصة بحجم كتارا؟
- إن الاحتفاء بالدكتور غازي القصيبي في كتارا هو احتفاء بتجربة إنسانية شاملة، وإبداعية متفردة على كل المستويات. فالراحل الكبير لم يكن مجرد روائي أو شاعر أو وزير أو دبلوماسي، بل كان ظاهرة فكرية متكاملة جمعت بين الرؤية والخيال والعمل، وأثرت في الوجدان العربي عبر مسيرة استثنائية .
لقد قدّم القصيبي نموذجًا فريدًا للمثقف العربي الذي يتجاوز حدود التخصص الواحد، ويندمج في قضايا الإنسان والمجتمع برؤية أخلاقية وجمالية عميقة. كانت تجربته الأدبية مرآة صادقة لتحولات العصر، وكانت مواقفه الإنسانية أكثر حضورًا من أي تصنيف أدبي أو سياسي. لذلك فإن أثره في الثقافة العربية لا يُقاس بما كتب فقط، بل بما مثّله من قدوة معرفية وإنسانية، استطاعت أن تلهم أجيالًا من المبدعين والقرّاء.
واختيار الدكتور القصيبي شخصية العام في الدورة الحادية عشرة من جائزة كتارا للرواية العربية هو احتفاء بالرواد الذين أسهموا في تشكيل الوعي وبناء الجسور بين الثقافات. وهو رسالة تقدير لإبداع باقٍ في الذاكرة، وتذكير بأن الثقافة العربية ما زالت قادرة على إنتاج نماذج ملهمة تستحق أن تُروى ويُحتفى بها.
س- شهدت كتارا في السنوات الماضية مشاركة سعودية لافتة في مجالات الأدب والفنون والفعاليات… كيف تصفون الحضور السعودي داخل فضاءات كتارا؟ وما الذي يميّز هذه المشاركة عن غيرها؟
- لقد كان الحضور السعودي في فضاءات كتارا خلال السنوات الماضية حضورًا أصيلًا ومؤثرًا، يعكس عمق التجربة الثقافية في المملكة وثراء إنتاجها الأدبي والفني والتراثي. وقد تميز هذا الحضور بتنوع مشاركاته واتساع دوائر تأثيره، سواء عبر الفنون البصرية والمعارض التشكيلية التي استقبلت أعمال فنانين سعوديين، أو من خلال المشاركة البارزة في الفعاليات التراثية التي تحتضنها كتارا سنويًا.
ويبرز هذا التفاعل جليًّا في مهرجان كتارا للمحامل التقليدية الذي يشهد مشاركة سعودية مُقدّرة، تضيف إلى فضاء المهرجان روح الخليج وتراثه البحري المشترك، وتؤكد عمق الروابط الثقافية التي تجمع شعوب المنطقة. وإلى جانب ذلك، يشهد مهرجان كتارا لشاعر الرسول ﷺ حضورًا سعوديًا غنيًا يعبّر عن مكانة الشعر في الوجدان السعودي، ومستوى المنافسة الرفيع الذي يقدّمه شعراء المملكة في هذا المحفل الروحي والأدبي النادر.
كما كان للسعودية حضور مقدّر في جائزة كتارا للنهمة، التي تُعيد إحياء فنٍّ خليجي أصيل يجد صداه بقوة في المجتمع السعودي، بما يحمله من ارتباط بالذاكرة البحرية وتراث الغوص والصيد. ولا يقتصر التميز السعودي على مستوى المشاركين فحسب، بل يمتد ليشمل جمهورًا واسعًا من الزوار السعوديين الذين يرفدون كتارا بحضور دافئ يضفي على الفعاليات بهجة خاصة، ويجعل من الحي الثقافي نقطة التقاء طبيعية لأهل الخليج. كل هذه العناصر مجتمعة تعكس أن المشاركة السعودية في كتارا ليست حدثًا عابرًا، بل حضورًا فاعلًا يشكّل قيمة مضافة للمشهد الثقافي، ويسهم في تحقيق رؤية كتارا القائمة على الانفتاح، وتبادل الخبرات، وصون التراث، وتعزيز الجسور الثقافية بين الشعوب.
س- في ضوء التقارب الثقافي بين قطر والسعودية، كيف يمكن للمؤسسات الثقافية في البلدين أن تبني شراكات أعمق تخدم الإبداع العربي وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون؟
- إن التقارب الثقافي بين قطر والمملكة العربية السعودية يفتح اليوم آفاقًا واسعة أمام المؤسسات الثقافية في البلدين لبناء شراكات نوعية تُسهم في ترسيخ المشهد الثقافي الخليجي والعربي. فالعلاقة بين البلدين ليست مجرد علاقة جغرافية أو اجتماعية، بل هي علاقة تجمعها ذاكرة تاريخية مشتركة، وتراث متداخل، ورؤية مستقبلية تعتمد الثقافة جزءًا أصيلًا في التنمية الشاملة. ومن هذا المنطلق، فإن المؤسسات الثقافية في البلدين قادرة على تأسيس تعاون يتجاوز المبادرات التقليدية إلى برامج مشتركة في مجالات ثقافية متعددة. وتنظيم المعارض الفنية والمهرجانات التراثية، فضلًا عن توسيع نطاق التبادل المعرفي بين المثقفين والباحثين والروائيين والمبدعين في مختلف الحقول.
إن تعميق هذا التعاون لا يخدم فقط الثقافة الوطنية في البلدين، بل يصبّ في خدمة الإبداع العربي ككل، ويعزز حضور المنطقة الثقافي في المحافل الدولية. وكتارا، بما تمتلكه من خبرة واسعة وبنية تحتية متكاملة، تفتح أبوابها لجميع المبادرات.
س- وهل هناك توجه لتعزيز البرامج المشتركة أو استضافة مشاريع سعودية أكبر خلال الدورات المقبلة في كتارا؟
- إن كتارا، بوصفها مؤسسة ثقافية رائدة وفضاءً جامعًا للإبداع العربي والعالمي، تعمل دومًا على توسيع نطاق شراكاتها الثقافية بما يدعم رسالتها في نشر الثقافة، وتوفير منصات حاضنة للمبدعين في مختلف المجالات الأدبية والفنية والتراثية. ومن هذا المنطلق، تُولي كتارا أهمية خاصة لاستقطاب المبادرات النوعية والمشاريع المبتكرة التي تُسهم في تعزيز حضورها وتعميق تأثيرها في الساحة الثقافية.
وفي هذا الإطار، تواصل كتارا دراسة وتقييم فرص التعاون المختلفة، وهي منفتحة على استقبال المشاريع التي تثري برامجها وتضيف إلى فعالياتها قيمة جديدة، بما ينسجم مع رؤيتها الثقافية وأهدافها الاستراتيجية. وفي هذا السياق، نثمّن الحراك الثقافي المتسارع في المملكة العربية السعودية، بما يحمله من مبادرات نوعية وطاقات إبداعية قادرة على إثراء أي فضاء ثقافي تُتاح لها المشاركة فيه.
وانطلاقًا من تقدير كتارا لهذا الزخم الثقافي السعودي، فإنها ترحب دومًا بالشراكات التي تعكس تطلعات البلدين، وتفتح المجال أمام المشاريع السعودية المميزة للمشاركة في الدورات المقبلة، سواء في الفنون البصرية، أو الأدب، أو التراث، أو الصناعات الإبداعية. إن أبواب كتارا مفتوحة لكل مبادرة تحمل قيمة ثقافية حقيقية، وتنسجم مع رسالتها في خدمة الإبداع العربي وتعزيز الحضور الثقافي الخليجي على المستوى الإقليمي والدولي.
س - تُوصف كتارا اليوم بأنها واحدة من أهم المنصات الثقافية في المنطقة… ما الفلسفة التي تنطلق منها كتارا في تشكيل هويتها وبرامجها، وما سر هذا التنوع الذي يجمع الفنون والأدب والمسرح والموسيقى في فضاء واحد؟
- إن الفلسفة التي تقوم عليها كتارا تستند إلى رؤية ثقافية متكاملة ترى في الإبداع الإنساني بمختلف أشكاله لغةً للتواصل، وجسرًا للتقارب بين الشعوب. ولذلك تبنت كتارا منذ تأسيسها نهجًا يقوم على الانفتاح، وتجمّع الفنون، وتعدد المنصات، بحيث تُصبح فضاءً واحدًا يتجاور فيه الأدب مع المسرح، والموسيقى مع التشكيل، والتراث مع الحداثة، في تجربة ثقافية تُخاطب جميع الحواس. وتستند هوية كتارا إلى عناصر رئيسية هي المحافظة على التراث وتعزيز حضوره في الحياة اليومية، عبر المهرجانات التراثية والمعارض النوعية التي تبرز الذاكرة الخليجية والعربية. بالإضافة إلى دعم الفنون الحديثة بكل تنوعها، من خلال استقطاب الفعاليات العالمية واستضافة العروض المسرحية والموسيقية والمعارض التشكيلية ودعم الإبداعات المحلية. و بناء فضاء حواري مفتوح يُشجع المثقف والفنان والجمهور على التفاعل والمشاركة، ويُقدم الثقافة بوصفها نشاطًا مجتمعيًا حيًا وليس حدثًا مناسباتيًا عابرًا. أما سرّ هذا التنوّع الذي تتميز به كتارا، فهو إيمانها بأن الثقافة منظومة واسعة لا يمكن حصرها في قالب واحد. ولهذا تعمل على تنسيق برامج سنوية تشمل روافد الإبداع كافة، بحيث يجد كل زائر ما يعبّر عنه أو يلامس ذائقته. هذا التنوع لا يثري المشهد الثقافي فحسب، بل يعكس أيضًا رسالة كتارا في أن تكون ملتقىً حضاريًا عالميًا يجمع الثقافات والفنون في مكان واحد، ويجعل من الثقافة وسيلة للتقارب والتفاهم بين الشعوب.
س تحت شعار ملتقى الثقافات استطاعت كتارا بناء جسور بين الشعوب من خلال الفنون… كيف تعمل كتارا على تحويل الثقافة من حدث احتفالي إلى مشروع حضاري مستدام؟
تسعى كتارا إلى تحويل الثقافة من مجرد فعاليات احتفائية إلى مشروع حضاري مستدام يقوم على بناء منظومة ثقافية متكاملة تُسهم في تطوير الوعي المجتمعي وتعزيز حضور الإبداع في الحياة اليومية. ومن هذا المنطلق، تعتمد كتارا نهجًا طويل المدى يرتكز على استمرارية البرامج وتنوعها، وعلى دعم المشاريع الثقافية التي تخلق تأثيرًا عميقًا يتجاوز حدود المناسبة إلى أثرٍ ممتدّ في المجتمع. فهي تحتضن مهرجانات سنوية كبرى، وتُطلق جوائز نوعية، وتوفر منصات للحوار والإبداع، وتمنح الفرصة للمبدعين من مختلف البلدان لإبراز أعمالهم ضمن بيئة تفاعلية تشجع على تبادل الخبرات. كما تعمل كتارا على تعزيز التكامل بين التراث والحداثة من خلال مبادرات تُعيد إحياء الفنون التقليدية، وفي الوقت نفسه تدعم الابتكار في الفنون المعاصرة، مما يجعلها مركزًا ثقافيًا نابضًا بالحياة على مدار العام. وبذلك يتحول نشاطها الثقافي إلى مشروع حضاري شامل يرسّخ الهوية، ويفتح نوافذ للتواصل بين الثقافات، ويُسهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا وتفاعلًا مع الإبداع الإنساني.
س - تمتاز كتارا بقدرتها على جمع الفعاليات الكبرى مع المشاريع الإبداعية الصغيرة، من المعارض الفنية إلى الأمسيات الشعرية… ما المنهج الذي تتبعه كتارا لتحقيق هذا التوازن، وما أثر ذلك في تشكيل ذائقة الجمهور؟
- تعتمد كتارا منهجًا ثقافيًا يقوم على التكامل بين الفعاليات الكبرى والمشاريع الإبداعية الأصغر، إدراكًا منها أن الثقافة لا تُبنى بالحشود وحدها ولا بالفعاليات النوعية فقط، بل بتوازن مدروس يجمع بين الحراك الجماهيري الواسع وبين مساحات التعبير الفردي التي تمنح المبدعين الفرصة للتجريب والابتكار. ولذلك تعمل كتارا على صياغة تقويم ثقافي متنوع يشمل مهرجانات ضخمة تستقطب الجمهور من مختلف الفئات، إلى جانب معارض فنية وورش، وأمسيات شعرية وموسيقية، وفعاليات متخصصة تُخاطب المهتمين والمبدعين بشكل أعمق. هذا التنوع يتيح للجمهور معايشة الثقافة بأشكال متعددة، ويُسهم في رفع مستوى الذائقة عبر تعريضه لخبرات فنية مختلفة، من التجارب العالمية إلى الفنون المحلية الناشئة. وبهذا النهج، استطاعت كتارا تحقيق توازن فريد يُحافظ على زخم الحضور الجماهيري من جهة، ويتيح للمواهب الجديدة الظهور والتطور من جهة أخرى، مما يعزز ثقافة مجتمعية واعية ومتذوقة للجمال والإبداع.
س - ما الدور الذي تلعبه كتارا في تعزيز الحضور الثقافي لدولة قطر على المستوى العربي والدولي؟ وكيف ينعكس هذا الدور على صناعة الثقافة والسياحة الإبداعية؟
- تلعب كتارا دورًا محوريًا في تعزيز الحضور الثقافي لدولة قطر عربيًا ودوليًا، كونها منصة ثقافية رائدة تجمع بين الفنون والتراث والمعرفة في منظومة واحدة متكاملة تُبرز هوية قطر الثقافية وتُجسد رؤيتها في الانفتاح والتواصل الحضاري. فمن خلال استضافتها للمعارض الدولية، والمهرجانات الكبرى، والفعاليات النوعية، والملتقيات الفكرية، أسهمت كتارا في وضع قطر في واجهة المشهد الثقافي الإقليمي، وقدّمتها للعالم بوصفها مركزًا نابضًا بالإبداع. وينعكس هذا الدور مباشرة على صناعة الثقافة والسياحة الإبداعية، إذ باتت كتارا وجهة يقصدها الزوار من مختلف دول العالم، مدفوعة بتنوع أنشطتها وجاذبية برامجها، مما أسهم في تنشيط الحركة السياحية وتعزيز مكانة قطر كوجهة ثقافية متفردة. كما ساعد هذا الحراك في دعم الصناعات الإبداعية المحلية، سواء عبر تحفيز الفنانين والمبدعين أو من خلال توفير بيئة ملهمة لإنتاج مشاريع ثقافية جديدة. وبهذه الرؤية الشاملة، أصبحت كتارا رافدًا أساسيًا في ترسيخ صورة قطر الثقافية عالميًا، وفي بناء اقتصاد ثقافي مستدام يرتكز على الإبداع والمعرفة.
س - مع التطورات المتسارعة في المشهد الثقافي العالمي، كيف تتعامل كتارا مع تحدّي الحداثة من جهة، والحفاظ على الهوية والتراث من جهة أخرى؟
- إن التعامل مع تسارع المشهد الثقافي العالمي يُعدّ أحد أهم التحديات التي تواجه المؤسسات الثقافية اليوم، وكتارا تمكنت — بفضل رؤية واضحة — من تحويل هذا التحدي إلى فرصة. فنحن ننطلق من قناعة راسخة بأن الحداثة ليست نقيضًا للتراث، بل امتدادٌ له عندما يكون مبنيًا على وعي ومعرفة وقراءة معمّقة للهوية الوطنية.
ولهذا تعمل كتارا على تحقيق توازن مدروس بين الاثنين؛ فهي تحتضن المبادرات والفعاليات التي تعكس روح العصر، وتستثمر في الفنون الحديثة، والإبداع الرقمي، والتقنيات الجديدة، وفي الوقت نفسه تضع التراث القطري والعربي في قلب رسالتها الثقافية. فنحن نؤمن أن الهوية ليست عنصرًا جامدًا، بل منظومة حية تتطور مع الإنسان وتُصان من خلال الوعي المجتمعي، وعبر مؤسسات قادرة على خلق جسور بين الماضي والمستقبل.
ومن خلال المهرجانات التراثية، والمعارض، والبرامج البحثية، والتعاون مع الخبراء المحليين والدوليين، تحرص كتارا على تقديم محتوى يحترم الأصالة ويستجيب لتطلعات الأجيال الجديدة. وبهذا النهج المتوازن، تبقى كتارا مساحة جامعة تُجسّد رؤية قطر في بناء نموذج ثقافي متجدد، يعتز بجذوره وينفتح بثقة على العالم.