النهار

١١ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ ديسمبر-٢٠٢٥       11330

بقلم - عبدالمحسن بن محمَّد الحارثي

يقول نيلسون مانديلا: «للرياضة قوةٌ يمكنها أن تغيّر العالم»..ومَن ينظر إلى التحوّل الذي تعيشه الرياضة السعودية ؛ سيدرك أن المملكة لا تتعامل مع الرياضة بوصفها لعبة، بل باعتبارها قوة ناعمة، وصناعة، ولغة دولية، ومنصة نفوذ حضاري.

ولكن قوة الرياضة لا تظهر تلقائياً ، بل تحتاج إلى عقل مؤسسي يمسك بزمامها، وإعلام متخصص يصحبها، ونظام عادل يحميها، ليكون حاضرها امتداداً لمستقبل تُكتب ملامحه اليوم بمداد الثقة.

1. الاستدامة التجارية والإعلامية: حين يصبح الدوري مشروعاً لا موسماً

يقول يوهان كرويف: «اللعب البسيط هو الأصعب».
وهذه الحكمة ليست فنية فحسب، بل مؤسسية أيضاً ، فتعقيد العلاقات التجارية في الرياضة ؛ لا يبرر غياب البساطة في هيكلها.

الحديث عن تغيّر الناقل كل عام أو عامين ليس نقداً للتغيير بحد ذاته، بل بحث عن ثبات الهوية التجارية للدوري السعودي.
فالاستدامة لا تأتي من اسم الناقل، بل من:
    •    عقود طويلة مبنية على رؤية مشتركة. 
    •    لغة بصرية ثابتة للدوري.
    •    منتج إعلامي يتطوّر دون أن يتبدّل.
    •    ومركزية بيانات تجعل القيمة قابلة للقياس.

كما يقول بيتر دراكر: «ما لا يمكنك قياسه، لا يمكنك تطويره».
ولهذا ؛ فإن اللغة التي يحتاجها الدوري السعودي اليوم هي لغة الأرقام، لا لغة المجاملات، ولغة التخطيط، لا لغة الارتجال.

2. الإعلام الرياضي: من صدى المشجع إلى صوت الصناعة

كان غوارديولا يقول: «السر في التفاصيل».
والمشكلة أن الإعلام الرياضي السعودي - رغم تاريخه الثرّي - لم ينتبه بعد إلى أن التفاصيل ليست في “اللقطة المثيرة”، بل في تحليل العقد، وبنية الفريق، وتأثير القرار، والبيانات، والحوكمة.

لقد طال زمن الإعلام الانفعالي، الذي وصفه أفلاطون يوماً بأنه «ظل الحقيقة».
أما اليوم ؛ فنحتاج إلى إعلام هو صوت الحقيقة ، إعلام يقوم على:
    •    تحرير مهني.
    •    صحافة بيانات.
    •    محتوى اقتصاديات الرياضة.
    •    مدارس تحليل.
    •    أكاديميات إعداد الكفاءات.

لكي ننتقل من إعلام “هوى” إلى إعلام “بصيرة”.
فالبصيرة، كما يقول ابن خلدون، «أمّ الصناعة».

3. عدالة القرارات: تسوية أسنان المشط قبل تسوية الملعب.

في الرياضة، كما في الحياة، العدالة ليست خياراً.
ويقول أرسطو: «العدل هو الفضيلة الأولى للمجتمع».
والرياضة السعودية اليوم بحاجة إلى إعادة تأكيد هذه الفضيلة عبر أدوات مؤسسية واضحة:
    •    لائحة واحدة بتفسير واحد.
    •    لجان مستقلة لا ترتجف أمام الضغوط.
    •    نظام اعتراض شفاف.
    •    مراجعة سنوية للقرارات.
    •    نشر تقارير الأداء والحوكمة.

وكما قال السير أليكس فيرغسون: «الثقة تُبنى حين يرى الجميع أن ما يحدث في الظاهر يشبه ما يحدث في الباطن».
وعندما تتساوى “أسنان المشط” ؛ يصبح الفوز مكافأة لا منحة.

4. الإدارة الخفية: نهاية زمن الغُرف المظلمة..

يقول سُن تزو: «الوضوح يولّد القوة».
ولهذا فإن بقاء بعض الأيدي المرتعشة خلف المشهد الرياضي لا يتناسب مع مشروع المملكة، الذي يقوم على المصارحة، والحوكمة، والسرعة، وقوة القرار.

العمل خلف الأبواب المغلقة ينتج رياضة مترددة؛ بينما صناعة المستقبل تحتاج إلى:
    •    كشف البيانات.
    •    سرعة اتخاذ القرار.
    •    وضوح الصلاحيات.
    •    منصات نشر مفتوحة.
    •    معايير أداء لكل مسؤول.

فالقوة لا تأتي من السلطة.. بل من وضوح السلطة.

5. الإمكانات الهائلة: حين يكون الغد أجمل من كل البدايات..

سأل أحد الصحفيين الأسطورة مايكل جوردان: كيف تتوقع النجاح؟
فقال: «لقد بنيت توقعي على العمل المستمر».

والإمكانات السعودية اليوم تجتمع حول عناصر تجعل المستقبل الرياضي ثروة وطنية:
    •    استثمار حكومي ضخم.
    •    برامج خصخصة.
    •    استقطاب عالمي من مستوى النخبة.
    •    بنية تحتية في وضع انطلاقة لا نهاية.
    •    جمهور يملأ كل مساحة.

هذه الأرضية ليست مجرد فرصة .. بل مقدّمة لعصر رياضي جديد.

6. الرياضة بوابة العلاقات: حين تصبح اللعبة لغة العالم..

قال بيليه: «كرة القدم توحّد الناس».
لكن السعودية لا تنظر إلى الرياضة بوصفها توحّد “الناس” فقط؛ بل توحد المصالح، والاستثمارات، والقلوب، والأفكار.
ولهذا فإن الدوري والاتحادات والأندية أصبحت اليوم:
    •    منصات دبلوماسية.
    •    أدوات اقتصادية.
    •    قنوات لوجستية.
    •    وجهة سياحية.
    •    ورواية حضارية تُروى للعالم.

إنها “العصا السحرية” التي لا تصنع العلاقات فحسب.. بل تحسّنها وتثبّتها.

7. مكافحة الاستقطاب: الصناعة لا تُبنى في بيئة ضجيج..

مثلما قال الفيلسوف الرواقي ماركوس أوريليوس:
«الهدوء قوة».
والاستقطاب الإعلامي والجماهيري اليوم يسرق هدوء المشروع، ولذلك فإن صناعة رياضة عالمية تتطلب:
    •    خطاباً عقلانياً.
    •    تعليم جماهيري.
    •    أصواتاً مسئولة.
    •    رقابة مهنية على المحتوى.
    •    وبيئة نقاش عالية الذوق.

فالضجيج يصنع لحظة..
لكن الهدوء يصنع مستقبلاً.

البنك الرياضي للثقافة والإعلام: عقل الدولة الرياضي..

من أجل أن تتقدّم الرياضة السعودية دون أن تتعرّض لاهتزاز ؛ يجب أن يكون لها عقل مركزي.. وهنا تأتي فكرة البنك الرياضي للثقافة والإعلام.

جوهر البنك:

مؤسسة تجمع بين:
    •    البحث.
    •    الإعلام.
    •    المعرفة.
    •    التوثيق.
    •    التدريب.
    •    الابتكار.
    •    تحليل البيانات.

وترتكز على مقولة سقراط: «المعرفة هي الفضيلة».
فإذا أُضيفت المعرفة إلى الرياضة ؛ أصبحت الرياضة فضيلة وصناعة.

وظائفه الكبرى:
    1.    توليد المعرفة والبحوث: تقارير، مؤشرات، دراسات.
    2.    بناء الهوية: صياغة المصطلحات، توحيد الصورة الذهنية.
    3.    صناعة إعلام متخصص: إعداد محللين ومحررين ومذيعين.
    4.    الأرشيف الذكي: حفظ التاريخ وحمايته.
    5.    مركز بيانات للاتحادات والأندية.
    6.    إنتاج وثائقيات وسرديات كبرى تخدم القوة الناعمة السعودية.

هذا البنك ليس مؤسسة مكملة للمشهد..
إنه المحرّك العقلي للمشهد بكامله.

الخاتمة: بين الحلم والرؤية..تأتي المؤسسة..

يقول أينشتاين: «الرؤية من دون تنفيذ مجرّد حلم، والتنفيذ من دون رؤية مجرّد عبء».
والرياضة السعودية اليوم تقف في منتصف الجملة:
رؤية عملاقة، وقدرة تنفيذية تتنامى ؛ لكنها تحتاج إلى أن تُغلَّف بـ إطار مؤسسي قوي، وإعلام متخصص، وتوازن عادل، ومعرفة متقدمة.

وعندما يكتمل هذا البناء..
حينها فقط سنقول للعالم:
هذه ليست رياضة سعودية جديدة..
بل صناعة سعودية جديد!!