النهار

١١ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ ديسمبر-٢٠٢٥       11330

بقلم - أ. عجاب الحنتوشي

هناك  لحظات في الحياة  لا يشبه ألمها أيُّ ألم، لحظات لا تأتي من عدوٍّ بعيد، ولا من خصومة عابرة، بل من الناس الذين تظنّ أنهم يستحقّون الوقفة معهم؛ من ذاك الذي فتحت له بابك، ووسّعت له صدرك، ومنحته مساحة لم تمنحها لغيره… فإذا به هو نفسه من يطفئ نورك، ويظنّ فيك السوء، ويُصوِّب إليك سهام الظلم.

أقسى الخيانات ليست تلك التي تصنع ضجّة، بل تلك التي تأتي بصمت ممن ظننت أنك آمنٌ بالقرب منهم.
تلك اللحظة حين تجلس مع نفسك وتقول: كيف يصدّق الكذب عليّ من كان يعرف حقيقتي؟ كيف يظلمني من وضعته في مقام الثقة؟
هنا لا يُوجَع القلب لأنه خُدِع… بل لأنه خاب ظنّه.

الثقة ليست مجاملة، بل عهد بين روحين.
وحين يكسر أحدهم هذا العهد، ينكسر شيء داخلك لا يُرمَّم بسهولة.
تشعر وكأنك وقفت في معركة لم تخترها، وخسرت فيها ما لم تكن تتوقع أن تخسره..ليس مكانتك، بل قناعة قلبك بأن هذا الإنسان كان مختلفًا.

لكن الحقيقة القاسية التي نتعلمها متأخّرين هي أن الطعنات التي تأتي من القريب لا تعني أنك كنت ضعيفًا أو غافلًا.

بل تعني أنك نقيٌّ بما يكفي لتمنح فرصة، بينما هو اختار أن يخون تلك الفرصة.

الظلم الذي يأتي باسم الثقة يربّي فيك شيئًا جديدًا: وعيًا أعلى، وبصيرة أعمق، وميزانًا أدقّ في قراءة الوجوه.
فالألم ليس نهاية، بل فصلٌ من فصول النضج.
تتعلّم أن لا تُسرف في الإحسان لمن لا يعرف قيمته، وأن ترفق بنفسك كما كنت ترفق بغيرك.

ومع الوقت تكتشف أن كل خسارة كشفت حقيقة… وأن كل حقيقة أنقذتك من مصيرٍ أسوأ.
فالظلم الذي كان سيُدمّرك لو لم يظهر اليوم… ربما كان سيقتلك لاحقًا.
والمؤلم الذي طعنك… كان لا بد أن يُكشَف كي تستعيد قدرتك على حفظ قلبك.

في النهاية، تظل الثقة قيمة عظيمة… لكنها لا تُمنح إلا لمن يثبت أنه أهل لها.
أما من ظلمك رغم صفائك، فليس خسارة… بل درسٌ باهظ، لكنه ينقذك من خسائر أكبر.