بقلم - إيمان حماد الحماد
الفسادُ داءٌ يخنقُ الضمير، ويُطفئ نورَ الحقّ في المسير.
ومكافحة الفساد… إصلاح وطن وارتقاء إنسان ..
فهو عثرةُ أُممٍ كانت شامخة، وهاويةُ حضاراتٍ كانت باسقة.
يأتي خفيةً كالدُّخان، وينتشر صامتًا كالطوفان، حتى يصبح الصمتُ عنهُ خطيئة، والرضا بهِ جريمة.
ومكافحته ليست خيارًا مؤجَّلًا، بل واجبًا مُعَجَّلًا.
حربٌ تبدأ من الداخل، من يقظةِ الوجدان، وصحوةِ الإيمان، وقوةِ الإنسان.
حربٌ سلاحُها النزاهة، ودرعُها الأمانة، ورايتها العدالة.
الفسادُ ليس خَطأً عابرًا، بل نراه أصبح وباءً ماكرا.
ليس شُبهةً تُدرَأ، بل نارٌ تُطفأ.
يتسلّل كالظلّ الخائف، ويتربّص كالسهم الزائف، فإذا تُرك بلا رادعٍ اشتدّ، وإذا صُمِت عنه امْتَدّ، حتى يُطفئ مصابيح الحقّ، ويشوّه وجه الحياة، ويترك في جسد الوطن ندوبًا لا يَمحُوها الزمن.
والأوطان لا تنهضُ بالأقوال، بل بالأفعال.
ولا تشتدّ بالعمران وحده، بل بصفاء الضمير، ونقاء السيرة، وطهارة اليد.
فالفسادُ إن وُطّن… خَرِب، وإن تُرك… استَشْرَى، وإن تَغافل عنه الناس… أفْسَدَهم وفتك بهم وعلى كل الجرائم يقاس .
والفسادُ لا يُهزم بالعُنف، بل بالحقّ.
ولا يندثر بالصراخ، بل بالصدق.
يُقطع من جذوره حين يعلو صوتُ القيم، ويخبو صدى الأطماع، وتُغلق أبوابُ الاستغلال.
أمةٌ تحارب الفساد… أمةٌ تحمي مستقبلها.
وطنٌ يرفع راية الشفافية… وطنٌ يحفظ هيبته وكرامته.
مجتمعٌ يرفض الرشوة… مجتمعٌ يصون نفسه من الذلّ والهشاشة.
والنزيهُ واحدٌ… لكنه بألف.
والفاسدُ واحدٌ… لكنه على نفسه ألف.
فشتّان بين من يعمّر الأرض، ومن يبدّد الخيرات، ومن يبيع الأخلاق بثمنٍ بخسٍ لا يُشرف طالبه ولا سائله.
مكافحة الفساد ليست حملة تُعلن، ولا شعارًا يُرفع، بل عقيدةُ عدل، وفلسفةُ إصلاح، وسلوكُ أمانةٍ لا يُهادِن ولا يُساوِم ولا يُجامِل.
هي معركةٌ بين نورٍ يُصلح، وظلامٍ يجرح.
بين صوتٍ يصدح بالحقّ، وهمسٍ يُدَثِّر الباطل بثوبٍ مُزَيَّف.
لذا… فلنكن الساتر الحصين، واليد الأمينة، والصوت الذي لا يخاف.
نسكت عن الفساد؟
لا.
نسايره؟
أبدًا.
نقاومه؟
نعم… ما دام الحق حقًّا، وما دامت الأمانة عهدًا، وما دام الوطن أوفى من أن يُسلَّم لذئاب الظلام.
وللفسادِ وجوهٌ كثيرة…
وجهُ الرشوة الذليلة، ووجهُ الغش الخفيّ، ووجهُ الاستغلال اللئيم.
وجوهٌ تتلوّن، لكن قُبحها واحد، وتدّعي الحكمة، لكن جهلها واحد.
أمّا النزاهة… فوجهٌ واحد، ناصعٌ كالبياض، صادقٌ كالنهار، كريمٌ كالمطر حين يهمي بلا مَنٍّ ولا خوف.
وما أعظم الأوطان حين ترفض الظلم، وتطارد العابث، وتُعلّق في ميادينها لافتةً تقول: «لا مكان لفاسدٍ بيننا.»
فالوطن الذي يُحارب الفساد… وطنٌ ينتصر لكرامته.
والوطن الذي يسكُت… ينهزم وإن كثرت جدرانه وارتفعت مبانيه.
والناسُ إمّا أمَناءُ يعمّرون، أو فُسّادٌ يدمّرون.
الأمينُ يزرع في الأرض نورًا، ويترك خلفه أثرًا، ويقودُ غيره قُدوة.
والفاسدُ يزرع في النفوس خوفًا، وفي القلوب شكًّا، وفي الطرقات عتمةً لا يُضيئها إلا العدل.
فلتكن حربًا لا هدنة فيها… حربُ وعيٍ قبل أن تكون حربَ قوانين، وحربُ مبدأٍ قبل أن تكون حربَ محاكم، وحربُ أمّةٍ قبل أن تكون حربَ فرد.
ولنرفَع جميعًا راية النزاهة… رايةً لا تسقط، ولا تُباع، ولا تتبدّل.
فمن خان وطنه بقطرة فساد… خسر ماء وجهه، ومن نصر وطنه بلمسة أمانة… ربح التاريخ كلّه.
يا من يُريد إصلاحًا… لتكن يدك طاهرة، ولسانك صادقًا، وقلبك أمينًا.
فالأوطان لا تحتاج لأقوياء الأجساد، بل لأقوياء الأخلاق؛ ولا تنهض بالسلطان وحده، بل بالوجدان إذا صفا، وبالإنسان إذا ارتقى.
وإذا اجتمع العدلُ مع العزم…تراجع الفسادُ مُنكَسِرًا،وتقدّم الإصلاحُ مُنتصِرًا، وتزيّنت الأرضُ بأمطار البركة، ونور الطهارة، وغيث العدالة.
فالعدلُ أساس الملك، والنزاهةُ روح الإنجاز، والشفافيةُ طريق النجاة.
ومتى اجتمع الصدقُ مع الإصلاح…انتهى الفسادُ وانكشف،ونهض الوطنُ فأشرَق،وامتلأت الأرضُ أمنًا ورُقيًّا، وعدلًا ونقاءً.