الكاتب : النهار
التاريخ: ١٠ ديسمبر-٢٠٢٥       12650

بقلم - سيماء المزوغي

جاء حضور د. محمد زين العابدين في بودكاست "الايسسكو"،  في لحظة تُعيد تعريف دور  الثقافة  داخل الحقل العربي، وتقدّم رؤية تُحسن التقاط حركة الفكر في زمن فائق في سرعته، وتحوّل الحوار إلى منصة تفتح المجال أمام مقاربات رصينة تُعيد وضع الإنسان في مركز المشروع الحضاري، وتمنح الأسئلة الكبرى عمقًا يليق بجدّيتها.
يميل القلم، حين يتجه نحو سيرة د. محمد زين العابدين، إلى مساحة يتجاور فيها الفكر مع الفن، ويتلاقى فيها العمق الأكاديمي مع خبرة رجل عاش  الثقافة  من موقع الباحث، والموسيقي، والوزير، والكاتب والمثقف الذي رأى في  الثقافة  أكثر من مؤسسات وبرامج.

الرجل مع تواضعه يظهر في المشهد العربي بوصفه عقلًا مُنصتًا لتحولات العالم، ويستدعي المعرفة من منابعها القديمة والجديدة، ويمنحها قدرة على قراءة الزمن بلغة تجمع الفلسفة بالتاريخ، والجمال بالسياسة، والهوية بالمستقبل.

كما أنّ الرجل يحمل خلفية واسعة تمتد من الموسيقى إلى علوم  الثقافة  إلى إدارة الشأن العام، ما يمنح خطابه نبرة فريدة،هي نبرة مثقف يرى في  الثقافة  محركًا للوعي.. 
وهنا تتقدّم أسئلته، كيف تعمل  الثقافة  بوصفها قوة تُعيد تشكيل المجتمعات؟ وكيف يتقدّم التجديد داخل الفكر الإسلامي ليصبح فعلًا يحرّر العقل ويصوغ فهمًا جديدًا للتراث؟

وما الدور الذي يلعبه الفن في إعادة ترتيب الحساسية الأخلاقية والوجدانية؟ وأين تقف الهوية أمام عالم متداخل، سريع، كثيف، تُعيد فيه التكنولوجيا تشكيل الإنسان؟ وكيف تتأسس تنمية حقيقية داخل بيئة لا يمنح فيها المجتمع للثقافة مكانة القائد؟
هذه الأسئلة تُطلّ من مشروعه الفكري وتفتح أبواب المقال على مجال واسع تتقاطع فيه الفلسفة مع المقاربات الحضارية. ومن هنا يبدأ التحليل، ومن هنا تستعدّ الأسطر للدخول في عمق رؤية تسعى إلى فهم الإنسان عبر بوابة الثقافة، وإلى فهم العالم عبر وعيٍ يعرف قيمه ويهتدي بتاريخٍ يتجدّد بلا انقطاع.
نحو ثقافة تُنقذ الوعي وتُعيد تشكيل الفكر الإسلامي
يبرز د. محمد زين العابدين في المشهد الثقافي العربي والإسلامي كصوتٍ يحرّض على التفكير العميق، ويمنح  الثقافة  دورًا يتجاوز حدود العرض الجمالي إلى مستوى الفعل الحضاري. إذ تتقدّم رؤيته من خلفية أكاديمية واسعة، وحضورٍ طويل في مشاريع ثقافية دولية، ما يجعل خطابه أقرب إلى مشروع متكامل يهدف إلى تحرير العقل من الجمود وإعادة تفعيل طاقته الخلّاقة.
وتقوم رؤيته على مبدأ يعتبر  الثقافة  نقطة الانطلاق الأولى في فهم الذات، وفي فهم ما حولها من تحوّلات. فالثقافة، في تصوّره، هي الإطار الذي تتشكّل فيه الحساسية الأخلاقية والخيال السياسي والذائقة الجمالية. وكل حقل آخر ـ من الاقتصاد إلى التعليم إلى السياسات العمومية ـ يشتغل داخل هذه البنية الكبرى.
ومن هنا، يصبح الحديث عن تجديد الفكر الإسلامي جزءًا من مشروع ثقافي شامل، لا فصل فيه بين النص والواقع، ولا حاجز بين الماضي والحاضر.
الثقافة كقوة منظمة للوعي
وحين يتحدّث د. محمد زين العابدين عن الثقافة، تتخذ الكلمة معنى يتجاوز التراكم المعرفي أو التخصص الأكاديمي. فالثقافة، في خطابه، هي طاقة مُنظِّمة، تحدد طريقة النظر إلى الزمن، وتمنح الإنسان قدرة على تفسير الأحداث، وتكوين قيمٍ صلبة تُوجّه قراراته. بهذه المقاربة، تصبح  الثقافة  وسيلة لخلق إنسان قادر على المشاركة في مصير مجتمعه. إنسان يتعامل مع العالم بإبداع، ويفتح المجال أمام ابتكارات فكرية وفنية، ويستشرف المستقبل من موقع واثق بالتراث ومنفتح على التحوّلات.
يُحيل د. زين العابدين  الثقافة  إلى جذورها الفلسفية، أي قدرة على التساؤل، وميلٌ دائم إلى المراجعة، وسعيٌ إلى فهم الأبعاد العميقة للوجود البشري. فالثقافة في هذا التصور تُحوِّل المجتمع من جماعة منفعلة إلى كيان واعٍ يمتلك مشروعًا.
التجديد الفكري: قراءة تُحيي العقل وتطوّره
تتقدّم فكرة التجديد في رأي د. محمد زين العابدين بوصفها حركة وعي داخلية قبل أن تكون قرارًا مؤسساتيًا. التجديد هنا يرتكز على ثلاث ركائز،  أولًا إحياء المعاني المؤسسة التي كوّنت الذهن الإسلامي في لحظات ازدهاره. تلك اللحظات التي تفاعلت فيها النصوص مع العلوم والفنون والفلسفة، فظهرت حضارة تمتلك قدرة على الحوار والاكتشاف والبحث.
أما ثانيًا، فهي تنقية المجال الفكري من الرواسب التي علقت به بفعل القرون، ومن المفاهيم التي قيّدت العقل وحالت دون انطلاقه. والتنقية هنا هي فعل بناء بالأساس لأنّ جوهرها يمكن أن نصفه بعملية تعرية معرفية تُعيد المفاهيم إلى أصولها.
أخيرا التأويل المعاصر للنص والواقع. التأويل، في هذا الفهم، قدرة على قراءة الأزمنة الجديدة بروحٍ تاريخية واسعة. فكل عصر يمتلك حاجاته وأسئلته، وكل سياق يستدعي مقاربة تناسبه.

وبهذه الرؤية يصبح التجديد مصدر طاقة، ومجالًا لإبداع فكري قادر على خدمة الإنسان وقيمه الكونية.
ويشدّد د. زين العابدين على أنّ العالم الإسلامي يعيش وسط شبكة واسعة من العلاقات مع الغرب ومع حضارات أخرى. وهذا التشابك لا يُنقص من الهوية، إنما يضعها أمام فرصة.

فالثقافة المنفتحة قادرة على الابتكار، وعلى توظيف العلوم والتقنيات، وعلى خلق جسور تُثري الفكر ولا يمكن أن تُفرغه.

لأنّ المسألة الأساسية في رؤيته هي القدرة على إنتاج معرفة ذات جذور أصيلة وروح معاصرة.

معرفة تستقبل قيم الحرية، العدالة، الكرامة الإنسانية، والمشاركة الديمقراطية، وتعيد صياغتها من داخل التجربة الحضارية الإسلامية.
ويضع د. زين العابدين  الثقافة  في صميم التنمية. فهي مشروع قيمي قبل أن تكون مشروعًا اقتصاديًا. فالمجتمعات التي تمتلك خيالًا واسعًا وإبداعًا فنيًا ووعيًا نقديًا تُنتج اقتصادًا أكثر قوة، وتُقيم مؤسسات أكثر عدلًا، وتُكوّن مجتمعًا أكثر انسجامًا.
وهنا تصبح  الثقافة  محركا يمنح الفعل الاقتصادي روحه، ويمنح الفعل السياسي أخلاقه، ويمنح الفعل الاجتماعي وضوحه. تنمية بلا ثقافة تتحول إلى حركة بلا اتجاه، في حين أن  الثقافة  ترسم البوصلة وتحدد الغاية.
في عمق رؤية د. محمد زين العابدين رهانٌ ثابت، ألا وهو الإنسان.. ذلك القادر على طرح الأسئلة، وبناء المعنى، وصياغة مستقبل يصنعه بوعيه ومهاراته وقيمه.

الثقافة تُشكّل هذا الإنسان، والتجديد يُطلق طاقته، والحوار مع العالم يفتح أمامه مساحات أوسع.. بهذا المعنى، يشكّل مشروع د. زين العابدين جسرًا بين التراث والحداثة، وبين الروح والمعرفة، وبين الهوية والانفتاح.

وهو مشروع فلسفي بقدر ما هو مشروع ثقافي، وهو دعوة إلى أن يتحرك الوعي نحو آفاق أرحب.
تتجمّع أفكار د. محمد زين العابدين في نهاية المسار مثل خيطٍ واحد يشدّ العالم إلى مركزه الإنساني.

يتعامل مع  الثقافة  بوصفها قوة تأسيس، ومع التجديد كحركة وعي، ومع الهوية كطاقة حيّة تُعيد تشكيل ذاتها داخل الزمن.

ويضع الإنسان محورًا، والتراث جذرًا، والمستقبل أفقًا، ويمنح الفكر الإسلامي إمكان الانبعاث من جديد عبر قراءة تُوقظ العقل وتُعيد إليه قدرته على الاكتشاف.
تبدو فلسفته أقرب إلى محاولة شجاعة لفتح بوابة واسعة أمام حضارة تبحث عن مكانها في عالم تتسارع فيه المعرفة وتتشابك فيه المصائر.

وكل فكرة يطرحها تنبض برغبة في أن يتجاوز الإنسان حدود التكرار، وأن يستعيد حقه في الإبداع والتأويل وصناعة معنى يليق بتاريخه وبأحلامه.
فحين نغلق هذا التحليل، يتضح أنّ المشروع هو دعوة إلى يقظة دائمة، يقظة تُمكّن المجتمعات من تحويل ثقافتها إلى طاقة خلاقة، وتُمكّن الدين من استعادة غايته الإنسانية الكبرى، وتمنح الفكر مسيره المستمر نحو الحرية والمعرفة والجمال.

وهذا الأفق، الذي يفتحه د. محمد زين العابدين، يُضيء الطريق أمام جيل جديد يتعامل مع العالم بروح أكثر ثقة، ويمنح الحضارة الإسلامية فرصة لتكتب فصلًا آخر من تاريخها، فصلًا يحمل قدرة على الحوار والاكتشاف، وقدرة على بناء إنسانٍ يعرف قيمه، ويتهيأ لعالم تتشكّل تضاريسه داخل الفكرة، لا خارجها.