النهار

١٠ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٠ ديسمبر-٢٠٢٥       14960

بقلم - جمعان الكرت

لأهالي وادي قوب بمنطقة الباحة عاداتٌ وتقاليدُ متوارثة، احتفظوا بها في شؤون حياتهم المختلفة؛ في الزواج والأعياد، وفي بناء البيوت، وإصلاح ذات البين، بل وحتى في تأديب من يخرج عن عصا الجماعة.

وهي في مجملها لا تختلف كثيرًا عمّا ساد منطقة الباحة بأكملها من تنظيمٍ اجتماعي صارم، غير أن لأهالي بلدة رغدان – قبل عقود من الزمن – أسلوبًا تأديبيًا فريدًا، ارتبط بالسفر ومرافقة الرفيق.
فقد وُضعت صخرة صغيرة عُرفت باسم «حجر البياع» في موقع غير بعيد عن المسجد، على حافة السوق الأعلى.

وكان من يتقدّم بشكوى بعد صلاة الجمعة ضد رفيق سفره، موثّقًا دعواه بالأدلة القاطعة، يجد جماعته تهبّ لنصرته، فيُلزم المخطئ بأن يضرب رأسه بتلك الصخرة حتى يتصبّب الدم، تحقيقًا للرضا وجبرًا لخاطر رفيقه، وردعًا لغيره.

وكان هذا اللون من التأديب الجماعي لا مناص منه، هدفه ترسيخ مبدأ المؤازرة في السفر، ومنع التخاذل أو الغدر، خصوصًا وأن السفر آنذاك كان مشيًا على الأقدام أو ركوبًا على الإبل، ويستغرق أيامًا وأسابيع حتى بلوغ مدن الحجاز؛ كطائف ومكة المكرمة وجدة.
أما من يتعدّى على محارم المزارع، أو الممتلكات الفردية أو الجماعية، أو يقدم على الاعتداء والخصومة، فإن عقابه يكون علنًا بعد صلاة الجمعة، بمشاركة الجميع في تأديبه وإهانته، تأكيدًا على حرصهم على التكاتف، وعدم السماح لأي فرد بأن يعتدي على غيره.
وفي مقابل هذه الصرامة، كان الجانب الإيجابي هو الغالب والمميّز؛ إذ يهبّ الجميع لمساعدة المزارع إذا جرفت السيول مزرعته، ويتنادون لبناء طريق العقبة كلما أصابه الخراب، وقد سُوّي هذا الطريق من مواقع آمنة وبُني بالحجارة، ليسهّل العبور من جبال السراة إلى سهول تهامة، ولنقل المنتجات الزراعية والحيوانية والمصنوعات اليدوية. وكانت هناك ثلاث عقبات رئيسة تصل السراة بتهامة: عقبة رغدان، وعقبة الباحة، وعقبة الظفير.
كما حفظوا أسواقهم الأسبوعية من الفوضى والنزاع: الأحد في رغدان، والخميس في الباحة، والثلاثاء في الظفير، وكانوا يضربون على يد المخطئ في حينه.

ويتجلّى التكاتف كذلك في بناء المنازل، وخصوصًا عند تسقيفها فيما يُعرف بـ «يوم الطينة»؛ حيث يتقاسم الجميع الأدوار: من يجلب التراب ويُعدّ الطين، ومن يحمل الخشب والأعشاب، والنساء يجلبن الماء في القِرَب من الآبار.
ومن المشاهد اللافتة ما يُسمّى «النِّقا»؛ إذ يعترف المخطئ بخطئه في حق العامة، فيُكفّر عنه بأن يضرب جبينه بحدّ الجنبية أمام الجمع حتى يسيل الدم، ثم يمنعه الحاضرون من الاستمرار، إيذانًا بقبول اعتذاره.

وبعد ذلك يُنشر قماش أبيض على جانب السوق، وتوزّع قطع منه على مداخل السوق، ويلفّ كل فرد القماش على هامته، فيكون ذلك إعلانًا جماعيًا بانتشار الخبر في القرى المجاورة، ودلالةً على صرامة الرأي العام، وأن من يتمرّد سيُقاطع ويعيش وحيدًا، ولا طاقة للإنسان بالعزلة في مجتمعٍ تقوم حياته على التكافل في الزواج والزراعة وبناء البيوت والحصاد والدياس وسائر شؤون المعيشة.
أما من يغدر بجاره خفيةً، ويعتدي على مزرعته أو مواشيه دون أن يتبيّن الجاني، فللأهالي أسلوب آخر؛ إذ يقرّر إمام المسجد، بالاتفاق مع الجماعة، الدعاء على المعتدي بعد صلاة الجمعة، ويُسمّى ذلك «أخذ الراتب»، أي مشاركة الجميع بالدعاء على من اقترف الأذى.

وما إن يسمع الجاني بعزمهم على قراءة «الراتب»، حتى يسارع – في اليوم نفسه - إلى المتضرر، معتذرًا همسًا ومتذلّلًا، مقرًّا بأن السفه وقلة العقل دفعاه إلى ما فعل، فيقبّل رأسه ويقدّم له تعويضًا يرضيه، راجيًا أن يُثنيه عن صرف الجماعة للدعاء عليه.

فيذهب المتضرر إلى الإمام طالبًا إلغاء ما عُزم عليه.
أما من يكابر ويتمادى، فكانوا يؤمنون بأن العقاب الإلهي سيناله أو أحد أفراد أسرته، أو يصيب ماله وحلاله، فيكون عبرةً للجميع.

ولهذا حرص أهل القرية على تجنّب الاعتداء مطلقًا، وإن وقع فإنما هو من القلة القليلة، ولا مناص من دعوة مظلومٍ قد تُدّخر، لكنها لا تضيع، ولو بعد حين..