النهار

٠٩ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ ديسمبر-٢٠٢٥       10065

بقلم- لواء.م.عبدالله ثابت العرابي

إن الله سبحانه وتعالى، بحكمته وعدله، قسَم بين عباده معطيات التفكير وطرائق معالجة الأمور. فجعل العقول متفاوتة في الفهم، والبصائر مختلفة في العمق، لتبقى الحياة ميدانًا واسعًا تتجلّى فيه صور التنوع الإنساني بين وعيٍ ونباهة، وجهلٍ وسطحية. فمن الناس من أنار الله بصيرته، فتراه يتأمل بحكمةٍ، ويزن المواقف بميزان العقل الرشيد، لا يتعجل ولا يندفع، بل يُحسن الإصغاء للحقائق قبل إصدار الأحكام، وهؤلاء هم أهل الفهم والمعرفة الذين يضيئون طريق غيرهم دون ضجيج. ومنهم من يُدرك قيمة المشورة، فيقدّر نعمة الصحبة والعلاقات الصالحة، فيستأنس بآراء الحكماء، ويستفيد من تجارب العارفين، فلا يستبدّ برأيه، لأن وعيه يدرك أن العقول حين تتكامل تُنقذ من الزلل وتفتح آفاق الرأي السديد. وهناك من يعتمد على فطرته وتجارب الحياة، فيجعل من خبراته دليله في المواقف، وقد يهتدي أحيانًا وإن قلّ علمه، لأن صفاء الفطرة يعوض نقص التجربة. غير أن أخطر من هؤلاء جميعًا هو من لا يتجاوز في تصرفاته حدود ما تمليه عليه حاجاته اللحظية، يندفع بلا وعي، ويتصرف بلا بصيرة، فتقوده انفعالاته قبل عقله، ويغدو أسيرَ اللحظة لا سيدَ الموقف. تأملوا هذه الخارطة الإنسانية من حولكم، ستجدون أن كل إنسانٍ له طريقته في التفكير والتصرف؛ غير أن المؤسف أن بيننا من بقي “بصّامًا”، يتبع بغير وعي، ويشير بإبهامه حيث لا يدرك، فيكتفي بسطح الإعجاب عن عمق الفهم، وبردة الفعل عن بصيرة الموقف. وهؤلاء هم أبناء زمنٍ كثرت فيه الإشارات وقلّ فيه الإدراك، يسمعون كثيرًا ولا يتدبرون، ويُبدون آراءهم بلا فهمٍ ولا روية. إنهم لا ينقصهم الإصبع الذي يضغط أو يشير، بل تنقصهم البصيرة التي تُبصر وتفكّر. ومن هنا تأتي الحاجة إلى استعادة قيمة التفكير الرشيد، الذي يجعل الإنسان لا تابعًا لإبهامه، بل قائدًا لعقله، فالبصيرة لا تُقاس بما نُبصره، بل بما نفهمه مما نرى.