النهار
بقلم- جمعان الكرت
أمضى عقودًا من السنين وهو متسيّد الساحة الشعرية، باعتراف صريح وضمني من كثير من الشعراء الشعبيين بقدراته المتميزة، سواء في الرد أو البدع. ويأنف ـ لمكانته الشعرية الجزلة وأخلاقه الكريمة ـ عن سفاسف القول. وإن وقف في منتصف المعراض يطيب للجمهور الاستماع إلى شعره العميق بالحكمة، لذا يخرج الجميع وهم يشعرون بأن قامة شعرية جديرة بأن يحضروا المناسبة التي يحييها.
تجده لا يقلل من قيمة الشاعر المبتدئ، ولا يهاب من الشاعر المتمكن. فالشاعر المبتدئ يسهّل له القارعة ويقرّب له المعنى ويقدّم له العون الخفي، والشاعر المتمكن يقارعه بكثير من الاحترام دون أن يقلل من مكانته؛ لذا تجد الشعراء يحترمونه. استمعتُ لكثير من قصائده التي تُبث عبر وسائل التواصل، فوجدت كل قصيدة أجمل وأقوى من الأخرى مبنى ومعنى.
يقول:
ما نا القصيبي ولا الشثري ولا باعشن
أنا (زعيم القصايد) مثل ما تعرفون
تراني أدعس على الزلات تحت القدم
وأعطي المطاليق واجبها ومقصودها
وهو بحق زعيم العرضة الجنوبية، سواء امتدح ذاته أم قاله الآخرون. فهو صوتٌ شعري حفر حضوره في الذاكرة الجنوبية، صوتًا مفعمًا بالحكمة، ومشحونًا بروح الجبال ورائحة السراة وهدير وديان تهامة. لم يكن شاعرًا عابرًا في ساحة القول، بل كان واحدًا من الحراس الأوفياء للتراث، الذين حملوا على أكتافهم فنون الشقر والمحاورة والعرضة، وقدموا نموذجًا شعريًا راقيًا في الوزن والمعنى والالتزام الأخلاقي.
ولد البيضاني في بيئة تتجاور فيها القرى على سفوح السراة، حيث يتنفس الناس الشعر، وتشكل العرضة والشقر جزءًا من يومياتهم. ومنذ بداياته الأولى ـ والتي حضرتُ واحدة منها في سوق رغدان التاريخي ـ تمكن من مقارعة الشاعر الكبير خرصان بن حمدان الغامدي، وكان واثقًا من نفسه رغم صغر سنه وقتها.
تفتّح وعيه الشعري في مجالس الشعر ومناسبات الفرح، تلك التي تُعد مدرسة الجنوب الأولى في صقل المواهب. ومع مرور السنوات تشكل أسلوبه الخاص، المزيج بين رصانة الجملة وقوة الإيقاع وعمق التجربة.
امتاز بعفويته وهدوئه، وارتكز في شعره على ثلاثة أعمدة: الصدق، والفكرة، والجزالة. ولهذا أحبه الناس، ووجدوا في قصائده ما يشبههم، ويشبه حياة القرية والجبل والوادي.
ومن خلال مسيرة البيضاني الشعرية المضيئة كان يرى الشعر مسؤولية قبل أن يكون موهبة، لذلك حافظ على أصالة القصيدة الشعبية، وصنع لنفسه أسلوبًا خاصًا.
في فن الشقر، قدّم عبدالله البيضاني لونًا خاصًا، يحافظ على أصول الفن ويطوّعه في الوقت ذاته ليواكب العصر. وكان حضوره صادحًا في المناسبات الكبرى، يقف بثبات ويتدفق بالشعر كينبوع لا ينضب. كثير من قصائده رددها الناس في المناسبات، ورقص على وزنها العراضة، وتناقلتها الأجيال كجزء من الإرث الشفهي للمنطقة.
امتلك أيضًا موهبة صياغة الحكمة في قالب شعري موجز، فترى أبياته كأنها أمثال تُقال أو دروس تُهدى، وهذا ما جعل شعره قريبًا من وجدان الناس، سهل اللفظ عميق الدلالة.
ورغم أن التدوين لم ينصف كثيرًا من إنتاجه، إلا أن ما بقي محفوظًا في ذاكرة الرواة والمتذوقين يُعد مادة ثمينة تستحق الجمع والتوثيق. فالشاعر عبدالله البيضاني ليس مجرد اسم، بل صفحة مضيئة من تاريخ الشعر الشعبي في الباحة، وركن من أركان الهوية الفنية للجنوب.
اليوم، ونحن نستعيد سيرته، إنما نفعل ذلك تقديرًا لرجل حمل التراث الشفهيّ بأمانة، وأخلص لفنه، وكان صدى جميلًا لصوت الأرض التي أحبها. ولعل الأجيال الجديدة، وهي تعيد اكتشاف هذا التراث، ستجد في تجربة البيضاني ما يثري ذائقتها ويعمق صلتها بالشعر الشعبي الأصيل.
البيضاني يؤمن بأن الفن الشعبي ليس للفرح فقط، بل هو ذاكرة الشعوب ومرآة أخلاقها. لذلك جاءت قصائده نقية، محمولة على الصدق، بعيدة عن المبالغة، قريبة من قلوب الناس.
لم يكن عبدالله البيضاني مجرد شاعر شعبي من شعراء الباحة، بل كان صوتًا منحدرًا من صخور السراة، ورائحة تصعد من أعشاب الوادي، ونبرة تشبه خطوات الرجال في العرضة. جاء من بيئة تصنع الشعر كما يهطل المطر….