النهار

٠٤ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ ديسمبر-٢٠٢٥       17930

بقلم- منى يوسف الغامدي

لم يكن معالي الدكتور محمد بن علي العقلا مدير الجامعة الإسلامية رجلاً عادياً مر ورحل من المدينة المنورة ، ورحيله إلى عالم الخلود ترك في النفس ألم الفراق ولكن رحل جسداً وبقيت مآثره وخُلقه الرفيع وتواضعه الجم وابتسامته المشرقة وقربه من أهل المدينة ومحبته لهم ؛وكان رحمه الله رمزا وطنيا من رموز العطاء وشخصية قيادية فريدة من نوعها تعلمت منه دروسا ًعظيمة لن تمحوها السنين. برحيله طويت صفحة مشرقة من صفحات العطاء الخالص ،رحل رجل جمع بين العلم والخلق في معادلة إنسانية لا يتقنها الكثير من البشر، وجمع بين القيادة التحويلية وإدارة التغيير المؤسسي بمعايير الجودة والإتقان مع الإنسانية الرفيعة، هو رحيل رجل محب ينشر المحبة في كل مكان وسيبقى مكانه فارغا لن يستطيع أحد أن يملأه ، وسيبقى أثره شاهدا على أن الحياة يمكن أن تُعاش بوعي ، وتُقاد بحكمة ، ويُخدم فيها الناس بصدق وأمانة .

لقد كان – رحمه الله – قامة أكاديمية ووطنية ذات شأن عظيم أفنى عمره في خدمة العلم والإنسان، ولم يكن منصبه إلا وسيلة لتحقيق رسالة أوسع تهدف إلى أن تكون الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة منارة فكر، وملتقى ثقافة، ومساحة حوار وانفتاح.
قائد تحويلي صنع نهضة ثقافية غير مسبوقة فلم تكن سنوات قيادة الدكتور  محمد العقلا  للجامعة الإسلامية سنوات عادية، بل كانت سنوات حراك معرفي حضاري أعاد صياغة الدور الذي يمكن للجامعات أن تمارسه في المجتمع. تحت قيادته تحولت الجامعة إلى منصة فاعلة تستضيف رموز الأدب والفكر والثقافة من داخل المملكة وخارجها، وفتحت أبوابها للفعاليات النوعية التي ترتقي بالذائقة وتشعل شرارة التفكير والإبداع.
وقد تميز رحمه الله بأنه فتح أبواب الجامعة الإسلامية للنساء بعد أن كانت البرامج والفعاليات مخصصة للرجال فقط، إيمانا منه بأن المعرفة لا تقصي أحدا، وأن للمرأة دورا أصيلا في صناعة المجتمع ومخرجاته.
لن أنسلى ما حييت أول اتصال من معاليه رحمه الله لي ذات صباح وأنا في عملي بتوجيهات من سمو الأمير لأكون ضيفة الجامعة الإسلامية في كل الفعاليات الثقافية والمحاضرات والمؤتمرات وكانت البداية مع محاضرة سمو الأمير خالد الفيصل عن منهج الاعتدال السعودي وطلبه مني توجيه سؤال لسمو الأمير في نهاية المحاضرة، وكان لي معه موقف لن أنساه عندما أكرم أمي وأبي رحمهما الله وخصص لهما جناح خاص في فندق دار الإيمان عندما كنت ضيفة في مؤتمر اللغة العربية بل تجاوز كرمه وخلقه الرفيع وتواضعه كل التصورات البشرية عندما خصص للنساء ضيفات الجامعة زيارة للروضة الشريفة الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وإذ بمعاليه يقف بنفسه ليشرف على خروج النساء من الفندق وكان ينظر حوله من منهن كبيرة في السن ليكرمها بتوصيلها بسيارة الجولف التي يقودها بنفسه فكانت أمي رحمها الله وهي لا تعرف من هذا الرجل ؟ حتى إذا وصلنا ودخلنا الروضة قلت لأمي أتعلمين من هذا الرجل ؟ إنه معالي مدير الجامعة الإسلامية فدعت له بعلو القدر والمكانة في الدنيا والآخرة. أكرمني وأكرم أهلي وسارع في تقديم التعزية في والدتي ووالدي وكان محبا لكل عائلتي كما أحب كل أهل المدينة وكتب عنهم مقالا وأرسله لي وقال: إنه قليل في حقكم.
رأيته بأم عيني يستقبل الأمراء والوزراء والأعيان والقيادات في كل مناسبة حضرتها ثم يخلو بفريق عمله والسائقين ويجلس معهم لتناول طعام الغداء والعشاء، كلما ركبت مع سائق من الذين يعملون معه يدعو له ويذكره بكل خير ، كيف لا تبكيك القلوب والعيون وقد ملكتها بطيبتك وكرمك وحسن خلقك وطيب معشرك ، اللهم اجعل مرضه وما عاناه كفارة له وارفع درجاته في عليين وبلغه منازل الشهداء والصديقين وارزقه صحبة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم في أعلى جنات الفردوس واجمعنا به ومع من نحب في مستقر رحمتك .يرحل الجسد لكن يبقى الإرث يبقى مازرع من قيم ، قيمة التواضع، قيمة الإخلاص، قيمة العلم، قيمة العمل الهاديء الذي يصنع أثرا ولا ينتظر ضجيجا . ويبقى ما حققه من إنجازات شاهدة على رؤية قائد آمن بأن الجامعة يجب أن تكون جسرا بين المعرفة والمجتمع . رحم الله الدكتور  محمد العقلا  وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء ستبقى خالدا في ذاكرة أهل المدينة مابقيت السموات والأرض فمثلك لا ينسى.