الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ ديسمبر-٢٠٢٥       12540

حسين السنونهالنهار

يؤكد د. حميد بن سيف النوفلي مدير إدارة الثقافة بالمنطقة العربية للتربية والثقافة والعلوم لصحيفة "النهار" ان التنمية الثقافية في المملكة العربية السعودية تسير بخطوات واسعة وتعد نموذجًا مهمًا وملهمًا في نفس الوقت وتجربة رائدة يمكن الاستفادة منها، ونحن في إدارة الثقافة على اطلاع تام بهذه النجاحات، وندعو بقية الدول العربية للاستفادة من التجربة السعودية المتميزة، ويضيف في حديثه: أقول للمثقف العربي أن يبادر بالتأثير الإيجابي على المشهد العربي العام، وأن يكون الصوت المسموع في إعادة تشكيل الوعي العربي وخط الدفاع الأهم في صون الهوية العربية.

س- كيف تصفون الرؤية الثقافية الحالية للألكسو في ظل التحولات العميقة التي يشهدها العالم العربي؟

- لا شك أن المنظمة  العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) تتأثر بما يدور حولها من متغيرات على كل المستويات، وبالتالي فهي تتأثر بالوسط الثقافي والتربوي والعلمي في الوطن العربي ولذلك تبني إستراتيجياتها بما يتوافق مع هذه المتغيرات.

س- ما الذي يمثل اليوم اكبر تحدي ثقافي عربي؛ الهوية؟ اللغة؟ الرقمنة؟ الهجرة؟ أم ضعف السياسات ثقافية؟ 

- في الواقع كل ذلك يشكل تحديات ثقافية كبرى تنعكس على تفعيل العمل الثقافي في الوطن العربي لكن ربما تكون الرقمنة هي التحدي الذي بات الشغل الشاغل في التفكير لدى متخذي القرار؛ لا سيما في الجانب الثقافي مع ضعف البنية التحتية في العوالم الرقمية للبلدان العربية.

س- إلى أي مدى ترى أن المؤسسات الثقافية العربية قادرة على مواكبة التغيرات المتسارعة في المعرفة والإعلام؟

- ‏في الواقع مؤسساتنا الثقافية العربية تتفاوت تفاوتًا ملحوظًا؛ فمنها ما هو مواكب إلى حد بعيد لكثير من التغيرات المتسارعة في المشهد الثقافي والمعرفي والإعلامي، ومنها ما يحاول مواكبة هذه المتغيرات، ومنها ما هو ما يزال بحاجة إلى مزيد من الوعي والخطط والوقت والامكانيات حتى يلحق بالركب.

س- ما هي أبرز المشاريع التي تعمل عليها إدارة الثقافة حالياً لتعزيز العمل الثقافي المشترك؟

- ‏إدارة الثقافة لديها مشاريع مستمرة تقوم بتنفيذها وهي موضوعة في بنود الموازنة السنوية كعواصم الثقافة العربية، وهناك مشاريع جديدة ونوعية قامت بها إدارة الثقافة من أبرزها على سبيل المثال لا الحصر: إحياء مشروع السوق الثقافية العربية المشتركة، و تفعيل سجل التراث المعماري والعمراني في الوطن العربي الذي انطلقت نسخته الأولى هذا العام، وكذلك برنامج سفير الألكسو للثقافة العربية، بالإضافة إلى وسام الاستحقاق الثقافي العربي وقد كانت نسخته الأولى في العام الماضي 2024, وكذلك مشروع الثقافة الشعبية في الوطن العربي الذي انطلق في نسخته الأولى في هذا العام 2025 إلى جانب الاستمرار في تسجيل الملفات العربية المشتركة في التراث الثقافي غير المادي.

س- كيف تسعى الألكسو إلى تقريب السياسات الثقافية العربية من بعضها وبناء مساحات تعاون حقيقية؟

- ‏لعل مشروع السوق الثقافية العربية المشتركة خير مثال على سعي الألكسو ومحاولاتها الجادة لتقريب السياسات الثقافية بين الدول العربية، كذلك ما تقوم به اللجنة الدائمة للثقافة العربية من ادوار مهمة يعكس هذا التوجه، بالإضافة إلى دور الأنشطة والبرامج الخاصة بحوكمة السياسات الثقافية في الوطن العربي و التي نفذت منها الألكسو ما يقارب من خمسة برامج حتى الآن.

س- هل توجد مبادرات جديدة لدعم حماية التراث الثقافي المادي وغير المادي في الدول العربية؟

- بالتأكيد، أضرب مثالًا على ذلك في مجال التراث المادي ما يتعلق بإطلاق السجل العربي للتراث المعماري والعمراني في الوطن العربي، وتنفيذ العديد من الدورات التدريبية في مجال صون التراث الثقافي المادي.
أما فيما يخص التراث الثقافي غير المادي فلدى إدارة الثقافة تقليد أصبح نموذجيًا يتمثل في مساعدة الدول العربية على تسجيل الكثير من عناصر تراثها غير المادي على القائمة التمثيلية للتراث غير المادي لدى اليونسكو من خلال ملفات مشتركة، وهذا العمل المشترك أضحى يشار إليه بالبنان ويوصف بأنه من أفضل الممارسات الإقليمية في مجال صون التراث الثقافي غير المادي.

س- ما الذي تغيّر في عمل الإدارة بعد دخول العالم العربي مرحلة التحول الرقمي الشامل؟

- لا ريب أن إدارة الثقافة قد واكبت عملية التحول الرقمي من خلال عمل عدة منصات 
رقمية للتراث بالإضافة إلى إتاحة الزيارات الافتراضية لعدد من المتاحف العربية، وكذلك تنفيذ ورش عمل ودورات تدريبية في مجال توظيف تقنية الميتافيرس في خدمة التراث، والعمل على تفعيل الذكاء تقنيات الاصطناعي في مجال الصناعات الثقافية.

س- تواجه اللغة العربية ضغوطاً كبيرة اليوم. كيف تنظرون إلى مستقبل العربية في ظل الثورة التكنولوجية؟

- طالما وجد الوعي الرسمي والشعبي تجاه تعزيز مكانة اللغة العربية فلا خوف عليها من الثورة التكنولوجية، وهذا ينطبق على باقي اللغات في العالم.

س- ما الذي تحتاجه الهوية الثقافية العربية اليوم لتبقى حية وفاعلة في وجدان الأجيال الجديدة؟

- الهوية الثقافية العربية تحتاج إلى جعلها أولوية قصوى في رسم السياسات الثقافية في بلادنا العربية، كما تحتاج إلى أن تكون حاضرة بقوة في السياسات التعليمية وفي المناهج التربوية وفي الإعلام بكافة انواعه.

س- كيف يمكن للدول العربية تحقيق توازن بين الانفتاح الثقافي والعولمة وبين حماية الحساسية الثقافية الوطنية؟

- إيجاد التوازن بين حماية الخصوصية الثقافية الوطنية والانفتاح الثقافي من خلال مسارين مهمين: الأول يتمثل في ترسيخ الخصوصية الثقافية المتمثلة في الهوية واللغة وما شابهها على المستوى الوطني من خلال التعليم والإعلام ومؤسسات التنشئة الاجتماعية، والمسار الثاني المتعلق بالتبادل الثقافي مع الدول الاخرى من خلال إقامة المعارض والمهرجانات الثقافية والزيارات الثقافية المتبادلة مع الدول الأخرى.

س- كيف يقرأ د. حميد بن سيف النوفلي مدير إدارة الثقافة بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم تطوّر المشهد الثقافي السعودي في السنوات الأخيرة، خصوصًا مع القفزة النوعية في صناعة الكتاب، ودعم الرواية، وازدهار المنصات الثقافية في المملكة؟

- التنمية الثقافية في المملكة العربية السعودية تسير بخطوات واسعة وتعد نموذجًا مهمًا وملهمًا في نفس الوقت وتجربة رائدة يمكن الاستفادة منها، ونحن في إدارة الثقافة على اطلاع تام بهذه النجاحات، وندعو بقية الدول العربية للاستفادة من التجربة السعودية المتميزة.


س- في ضوء التقارب الثقافي بين سلطنة عمان والسعودية، كيف يمكن للمؤسسات الثقافية في البلدين أن تبني شراكات أعمق تخدم الإبداع العربي وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون؟

- في تقديري أن المؤسسات الثقافية في البلدين امام فرصة تاريخية مهمة لتبادل الخبرات وأفضل الممارسات في المجال الثقافي، وبحسن استثمار هذه الفرصة سيتشكل إبداع ثنائي نموذجي متكامل ينطلق من الشراكات الثقافية والإبداعية.

س- تمتاز إدارة الثقافة بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بقدرتها على جمع الفعاليات الكبرى مع المشاريع الإبداعية الصغيرة، من المعارض الفنية إلى الأمسيات الشعرية… ما المنهج الذي تتبعه إدارة الثقافة بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لتحقيق هذا التوازن، وما أثر ذلك في تشكيل ذائقة الجمهور؟

- لعل التنوع في الأنشطة التي تنفذها ادارة الثقافة بالمنظمة العربية للتربية والثقافة هو أحد أسرار نجاحها، هذا فضلًا عن طبيعة الأنشطة والبرامج الثقافية عمومًا من حيث قربها إلى الوجدان الإنساني، فهي تعبر عنه وتمثل هويته، وبالتالي أثرت ليس في تشكيل ذائقة الجمهور فحسب ؛ بل حتى في توجهات الدول وأولوياتها.
س- ما الدور الذي تلعبه إدارة الثقافة بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في تعزيز الحضور الثقافي لدولة قطر على المستوى العربي والدولي؟ وكيف ينعكس هذا الدور على صناعة الثقافة والسياحة الإبداعية؟

- ساعدت إدارة الثقافة دولة قطر في قيادة ملفين من الملفات العربية المشتركة لتسجيلها لدى اليونسكو، وهما ملف "البشت" الذي سيعلن عن تسجيله في هذا الشهر، وملف "السنبوك" الذي سيحال للجنة التحكيم في وقت لاحق، كما أن هناك تعاونًا استثنائيًا بين الحي الثقافي كتارا والمنظمة ممثلة في إدارة الثقافة ؛ حيث أعلنت المنظمة كتارا مدينة لموروث الخيل العربي في عام 2024، وأعلنت كتارا مدينة للأوبرا العربية في هذا العام. وكل ذلك ولا شك سينعكس على صناعة الثقافة والإبداع.

س- مع التطورات المتسارعة في المشهد الثقافي العالمي، كيف تتعامل إدارة الثقافة بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم مع تحدّي الحداثة من جهة، والحفاظ على الهوية والتراث من جهة أخرى؟

- تسعى ادارة الثقافة الى التوازن بين هذين الأمرين بإيلاء كل منهما الأهمية المطلوبة، وانعكس ذلك في نوعية الأنشطة والبرامج التي تنفذها.
وتنظر إدارة الثقافة إلى الحداثة على أنها ليست بالشر المحض ولا بالخير المحض ، فيمكن الاستفادة منها بأخذ من يتناسب وروح المرحلة، مع التمسك بمبدأ الحفاظ على الهوية والتراث، وترسيخ أهمية ذلك.

س- حدثنا دكتور عن طبيعة عملك.وماهو الجديد؟

- يتمثل عملي في النهوض بالثقافة العربية وتعزيز مكانة التراث العربي وإبراز الهوية العربية، والعمل على مرافقة الدول العربية في توظيف الثقافة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. والجديد في ذلك مواكبة المستجدات ومتابعة التطورات في مجال الثقافة على المستوى العالمي ، والسعي للاستفادة منها على المستوى العربي.

س- كلمة أخيرة منك للمثقف العربي؟

- أقول للمثقف العربي أن يبادر بالتأثير الإيجابي على المشهد العربي العام، وأن يكون الصوت المسموع في إعادة تشكيل الوعي العربي وخط الدفاع الأهم في صون الهوية العربية.