الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ يناير-٢٠٢٦       6160

المخواة – تقرير: محمد بن عبدالله الخزمري - النهار 

حين يطلع فجر يوم الثلاثاء في محافظة المخواة، لا يحتاج الزائر إلى كثير عناء ليشعر بروح المكان؛ فمع أولى الخطوات في ساحة السوق تتعانق روائح السمن البلدي والعسل الطبيعي، وتتردد أصوات المواشي القادمة على متن مركبات «الونيتات»، فيما تصطف الشاحنات المحمّلة بالعلف والبرسيم، في مشهد يعكس نبض الحياة الشعبية القديمة.

 

وتتناثر في أرجاء السوق أدوات الأجداد من فؤوس وأسرّة خشبية مصنوعة يدوياً، إلى جانب معروضات تراثية تختزن ذاكرة المكان، بينما تمتد الهناجر وقد افترش تحتها الباعة ببضائعهم من الخضار والفواكه ومختلف السلع، متجاورين في لوحة أشبه بعناقيد العنب الأحمر.

سوقٌ يصعب اختصاره في وصف، فهو ليس مجرد موقع للبيع والشراء، بل ملتقى اجتماعي يجتمع فيه الباعة والتجار، ويتقابل فيه الأصدقاء والأقارب القادمون من المحافظات والمناطق المجاورة.

 

إرث تاريخي ومكانة إقليمية

 

ويتميّز  سوق  الثلاثاء بموقعه الاستراتيجي في قلب محافظة المخواة، حيث يشكّل نقطة تلاقٍ حيوية بين قبيلتي العلي وبني عمر الأشاعيب، ما جعله اليوم أكبر  سوق  شعبي على مستوى منطقة الباحة.

وتشير بعض الروايات التاريخية إلى أن عمر السوق يمتد إلى نحو 500 عام، إلا أن الشواهد الموثقة ترجّح استمراريته لما يقارب 200 عام، ظل خلالها صامداً في وجه تغيّرات الزمن.

 

ومن اللافت في تاريخ السوق أنه كان يخضع قديماً لأنظمة وعادات اجتماعية صارمة سنّها شيوخ بني عمر قبل عهد توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن – رحمه الله – وهو ما يعكس أهميته التنظيمية والاجتماعية آنذاك.

كما تفيد الروايات بأن السوق كان يُقام سابقاً يوم الخميس، قبل أن يُنقل إلى يوم الثلاثاء، ليصبح هذا اليوم علامة فارقة ارتبطت باسمه وهويته.

 

رونق مستمر وحضور متجدد

 

ولا يزال السوق حتى اليوم محتفظاً بعنفوانه ورونقه؛ حيث تتوافد إليه قوافل التمور والسمن والعسل، وتفوح في أرجائه روائح النباتات العطرية مثل الكادي والبراك والشيح والسداب والريحان، في مزيج يختزل ذاكرة المكان وخصوصيته.

هذا الامتداد التاريخي والحضور الشعبي جعلا من  سوق  الثلاثاء بالمخواة مقصداً ينتظره الأهالي بشغف أسبوعي، ومعلماً تشهد له الذاكرة الجماعية بمكانته لدى سكان المنطقة وزوارها من مختلف المحافظات.

كرم أهلها يحاكي نقاءهم

 

قد يرى البعض المخواة وسوقها بعينٍ عابرة؛ تضاريس جبلية قاسية، وحرارة صيف مرتفعة، وقلة مناظر جذابة للمارّين، غير أن الحقيقة أعمق من ذلك. فحرارة الصيف تشبه دفء أهلها وكرمهم، واعتدال الشتاء يحاكي نقاء قلوبهم.

هي – في جوهرها – كالتين الشوكي (البرشومي)كما يُسمّى محلياً؛ مظهرٌ خارجي خشن، لكن ما إن يُفتح حتى يكشف عن لونٍ جذاب وطعمٍ حلو فريد.

هكذا هي  المخواة وسوقها: جوهرٌ غني خلف مظهرٍ مهيب.