الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ ديسمبر-٢٠٢٥       8250

بقلم- د . أحمد بن سعد بن غرم الغامدي 

إن يقظة العقل ليست خروجاً على هدي الإسلام ، بل هي من صميم ما دعا إليه الوحي، ومن روح ما نزلت به الرسالات.

فالقرآن لا يكتفي بأن يوجّه الإنسان إلى الإيمان، بل يوقظ فيه قدرة النظر ويستثير همّة البحث.

يقول تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾, ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾, ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ وهي ليست مجرد أوامر لغوية، بل مفاتيح لإيقاظ العقل من رقوده، وتشجيعه على قراءة الكون، والبحث في أسراره، والنظر في العلاقات التي تربط الظواهر بعضها ببعض.

بل إن القرآن ذاته يربط بين الإيمان الصحيح وامتلاك البصيرة: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾، مما يدل على أن النور الذي يطلبه الوحي ليس نور التسليم الأعمى، بل نور الإدراك الواعي.

وفي السنة القولية والعملية تأكيد آخر لهذا المعنى.

فقد كان النبي ﷺ يدعو إلى النظر في الكون، ويشير إلى منافع الأشياء، ويحث على العمل والابتكار والإصلاح، ويقول: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء»، والإحسان في العمل علمٌ وإتقانٌ وابتكار.

كما قال ﷺ: «اعقلها وتوكّل»، ليضع العقل في موضعه الطبيعي: سبباً من الأسباب التي أمر الله بها، لا بديلاً عن التوكل ولا عدواً له.

وكان ﷺ يعجبه ذكاءُ أصحابه رضي الله عنهم ، ويدعو للمتفكرين والمعتبرين، حتى قال: «إن من البيان لسحراً»، أي إن القدرة على الربط والتحليل وصوغ الفكرة قوةٌ تُدهش السامعين.

وهكذا يتبيّن أن يقظة العقل ليست تمرداً على الدين، بل تحقيق لندائه، وأن استعمال النواميس الكونية ليس تعدّياً على القدر، بل عملاً ضمن حدود ما قدّره الله في خلقه.

فالسنن التي وضعها الخالق في الوجود ليست عبثاً، بل دعوة للاستفادة منها، وأن تُسخّر في البناء والإصلاح لا في الخراب والإفساد: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أي طلب منكم عمارتها، والعمارة لا تتم إلا بعقل يقظ، يدرك العلاقة بين العلة والمعلول، ويتعامل مع النواميس بوعي وأمانة.

وعندما تتحقق يقظة العقل بهذا المعنى الإيماني–الإنساني، تبدأ رحلة جديدة؛ فالعقل الذي استيقظ لا يكتفي بنفض الغبار عن نفسه، بل يتحول إلى قوة مبدعة قادرة على قراءة ما لا يراه الآخرون.

وهنا يدخل الإنسان في مرحلة التفوق الحقيقي؛ إذ يتخطى التفكير التلقائي الذي يشترك فيه الناس، ويبلغ مرحلة التفكير العميق الذي يبني الفكرة من جذورها، ويعيد النظر في المسلمات، ويخترق الظواهر إلى ما وراءها، ويحوّل الأسئلة إلى احتمالات، والاحتمالات إلى نظريات، والنظريات إلى واقع.

والعقل الذي استيقظ على الحقيقة لا يقف عند حدّها، بل يتجاوزها إلى صناعة الجديد؛ فالمعرفة عنده ليست غاية، بل بداية.

ومن هنا يظهر العقل العبقري: ذلك الذي يجمع بين أمرين لا يجتمعان إلا نادراً — قوة الملاحظة وقوة التأمل.

فهو يرى ما لا يراه الناس لأنه ينظر من زاوية مختلفة، ويفكك المشكلة كما لو كان خارج حدودها، ثم يعيد تركيبها وفق نموذج جديد لم يسبق إليه أحد. وهذا النمط من الفكر لا يُولد دفعة واحدة، بل ينمو بالتدريب، ويشتدّ بالبحث، ويتوهج حين تتكامل فيه التجربة مع الخيال، والمنطق مع الحدس، والواقعية مع الطموح.

ومتى بلغ العقل هذه المرحلة، يصبح قادراً على الاختراع؛ لأن الاختراع في جوهره ليس وضع شيء جديد في الوجود، بل اكتشاف العلاقة الخفية بين شيئين كانا منفصلين في نظر المجموع، ثم وصل أحدهما بالآخر بطريقة لم تخطر على عقل نائم.

وهنا تظهر عبقرية المبدع الذي يقرأ قوانين الكون قراءة صحيحة، ويستخرج من السنن الكونية ما يعمّر به الأرض، ويضيف إلى الوجود قيمة جديدة لم تكن موجودة.

والعقل العبقري النادر ليس العقل الذي يحفظ المعلومات أو يكررها، بل الذي يصنع من كل فكرة فكرة أخرى، ومن كل مشكلة فرصة، ومن كل عقبة سلّماً.

وهو عقلٌ لا يحب السكون؛ لأن السكون في منطقه موت، ولأن الحركة عنده حياة.

فإذا واجه شيئاً اعتاد الناس قبوله كما هو، وقف عنده وسأل: لماذا هو كذلك؟ وكيف يمكن أن يكون على صورة أفضل؟ وهكذا يتولد الإبداع من رفض الجمود، ويتولد الابتكار من شغف التجربة.

وحين يتصل العقل المبدع بروح الإيمان، يصبح عبقريته رسالية، لا عبث فيها ولا فساد ولا ضرر.

فهو لا يخترع ليهدم، بل ليبني؛ ولا يبتكر ليُفسد، بل ليصلح؛ ولا يسعى وراء الجديد لمجرد الجديد، بل ليضع المعرفة في خدمة الإنسان، ويستخدم السنن الربانية في تحقيق الخير، ويجعل العلم طريقاً إلى التقوى، والعمل باباً إلى الرقي، والبحث وسيلةً إلى بناء حضارة لا تعادي السماء ولا تغتال الأرض.

وهكذا فإن يقظة العقل هي البداية، والعبقرية هي الامتداد الطبيعي لها. وكل عقلٍ يستيقظ بحق، ويهتدي بنور الوحي، ويعمل بقوانين الكون، قادرٌ أن يكون نادراً في وجوده، عظيماً في أثره، مبدعاً في عطاءاته، لأن السنن لا تتحيز لأحد، وإنما تفتح أبوابها لمن يفهمها ويعمل بها؛ ومن هنا تبدأ أعظم الرحلات الإنسانية: رحلة الإنسان الذي جمع بين هدي السماء وسنن الأرض، فصار نورُه ممتداً في الفكر والعمل معاً.