الكاتب : النهار السعودية
التاريخ: ٠٤ ديسمبر-٢٠٢٥       12045

بقلم - باسم سلامه القليطي 

ثمة بوابات خفية يُختبر فيها الإنسان دون أن يشعر؛ بوابات لا علاقة لها بالعلم، ولا بالمنصب، ولا بالنفوذ، بل تتصل مباشرة بصفاء القلب وصدق النظرة.

واحدة من تلك البوابات هي احترامه للناس؛ ذلك الامتحان البسيط في شكله، العظيم في أثره، الذي يكشف معادن البشر بلا ضجيج. بعضهم – للأسف – لا يرى قيمة لإنسان إلا إذا كان مشهورا أو غنيا أو صاحب سلطة، وكأن الكرامة لا تُعطى إلا بقدر ما في الجيب من نقود أو ما على الكتف من رتب.

وهذه ليست مجرد زلة أخلاقية، بل خلل عميق في الفهم، وسواد في القلب، وعمى عن حقيقة الإنسان التي لا تُقاس بثروة ولا وجاهة.

الاحترام الحقيقي يولد من الداخل، من مكان في الروح لا يعرف التصنّع.

إنه انحناءة خفيفة للإنسان في جوهره، لا لصورته ولا لما يلبسه ولا لما يملكه.

ومن يتقن احترام الناس على اختلاف مقاماتهم، هو في الحقيقة يحترم نفسه أولا، لأنه يرفض أن يجعل كرامته مرهونة بسطحيات المجتمع.

رأيت في حياتي وجوها بسيطة، تلبس من أثواب الفقر ما تشاء، لكنها تحمل فوق أكتافها هيبة لا يمنحها إلا القلب الأبيض.

ورأيت وجوها أخرى غنية في ظاهرها، لكنها فقيرة في بواطنها، لا تعرف كيف تلتفت لإنسان إلا إذا رأته نافذة إلى منفعة أو مصلحة.

ومن موانع احترام الآخرين تلك العتمة الداخلية التي اسمها "الغرور"؛ هذا المرض الخفي الذي يتسلل إلى النفس فيرفع صاحبه على عرش وهمي يراه بعينيه وحده.

الغرور لا يجعل الإنسان كبيرا، بل يكشف صِغَر روحه.

المتكبر لا يرى الناس كما هم، بل كما يريد هو أن يراهم؛ يزدري المختلف، ويستنقص الضعيف، ويستثقل من لا يستطيع أن ينتفع به.

والمشكلة ليست في أنه يتعالى، بل في أن هذا التعالي يُغلق منافذ النور في قلبه.

فالمغرور يعيش ضيقا دون أن يشعر؛ إذ يظن أنه أعلى من الجميع بينما هو أبعدهم عن الحكمة.

والغرور لا يصنع هيبة بل يصنع عزلة.

.ثم تأتي السلطوية، ذلك الشعور الزائف بالقوة حين يتذوق الإنسان شيئا من النفوذ أو القيادة أو المسؤولية.

بعض الناس، ما إن يلامسوا درجة صغيرة من السلطة، حتى تتغير نبرة أصواتهم، ويضيق صدرهم، وتتحول نظرتهم إلى الآخرين باعتبارهم توابع لا شركاء.

هذه السلطوية تُفقر الروح، لأنها تُعلّم الإنسان أن الهيبة تُنتزع بالقوة، وأن القرب لا يكون إلا تحت ظل التهديد، وأن التفوق يُثبت بإضعاف من حوله.

وما علم أن القوة الحقيقية لا يحتاج صاحبها إلى رفع صوته، ولا إلى كسر هيبة أحد ليشعر بأنه موجود.

السلطوية مرض يُصيب النفوس الضعيفة فقط؛ النفوس التي لا تعرف كيف تقف على قدميها إلا إذا وضعت أقدامها على غيرها.

إن تهذيب النفس من الغرور ومن تلك النزعة السلطوية يحتاج إلى مراقبة دقيقة، كأن الإنسان يمسك بمرآة ويستجوب ذاته كل يوم:
كيف نظرتُ لهذا الشخص؟ كيف تحدثت؟ لماذا شعرت أنني أفضل منه؟ ما الذي جعلني أرفع صوتي أو أخفضه؟
هذه الأسئلة ليست رفاهية روحية، بل ضرورة إنسانية.

فالاحترام ليس عادة تُمارس، بل تربية مستمرة، تُختبر في أصغر التفاصيل: في حديثك مع عامل النظافة، في نظرتك لسائق التوصيل، في ردّك على موظف بسيط، في طريقة تعاطيك مع من لا يعرف اسمك ولا يريد منك شيئا.

تلك اللحظات الصغيرة تصنع "قدرك الحقيقي" لا لحظات التصفيق أو المجاملات الرسمية.

ولعل أجمل ما في احترام الناس أنه يحرّر الروح من ثقل الادعاء، ويعيد الإنسان إلى مقامه الطبيعي: مخلوق يرى نفسه في الآخرين قبل أن يرى الآخرين في نفسه.

الاحترام ليس منحة تُعطى للكبار أو الأقوياء، بل هو جسر إنساني يربط القلوب ويمنعها من السقوط في هاوية التكبر.

وكلما ازداد الإنسان احتراما لغيره، ازداد سكينة واحتراما لذاته.

فالذي يعرف أن القيمة في الجوهر لا في المظهر، لن تهزه المناصب، ولن تغريه الألقاب، ولن تبهره المجاملات.

سيظل يرى الإنسان إنسانا بثيابه القديمة أو الجديدة، بجيبه الممتلئ أو الخالي، بصوته العالي أو الخافت.

ولعلّ من أصدق الشواهد على هذا المعنى، سيرةُ رجلٍ مضى جسدُه قبل يومين، وبقيت سيرته العطرة شاهدا على حب الناس واحترامهم له: الدكتور  محمد العقلا  – رحمه الله – الذي أحبّه طلابه واحترموه، لا لأنه كان صاحب منصب، بل لأنه كان صاحب قلب.

كانوا يرون فيه أناقة التعامل قبل أناقة المظهر، وكرم النفس قبل اتساع المكان، وتواضعا يزيده حضورا وهيبة لا تستمد قوتها من السلطة، بل من صفاء السريرة.

وقد تعلّم كثيرون منه – دون أن يُلقي درسا صريحا – أن الهيبة ليست في المنصب، وأن القرب ليس في القوة، وأن المحبة لا تُشترى بل تُكتسب بصدق الأخلاق، وجمال التعامل الراقي.

وما أصدق ما قال أحد طلابه حين نعاه: “كان يمشي بيننا كأب، ويعامل أبسط الناس كأفضلهم.”
أمثال الدكتور العُقلا رحمه الله هم الذين يُعيدون تعريف معنى الاحترام، ويضعون معيارا جديدا للإنسانية، ويُذكّروننا بأن مقام الإنسان يُقاس بصفاء قلبه قبل أي شيء آخر.