النهار
بقلم - أ.د. عبدالعزيز سعيد الهاجري
تمثّل الميزانية السنوية المرآة الأوضح لاتجاهاتها الاستراتيجية ومؤشرًا دقيقًا لمدى نضجها المالي وقدرتها على تحويل الموارد إلى أثر تنموي ملموس.
وفي هذا العام تتجاوز الميزانية كونها بيانًا ماليًا أو سردًا للإيرادات والمصروفات؛ فهي أداةٌ وطنية لإعادة تشكيل المستقبل، ورافعةٌ محورية لتحقيق رؤية 2030، ووسيلةٌ لإحداث أثر مستدام ينعكس على الإنسان والاقتصاد والمكان.
أولًا: لغة الأرقام التي تحكي قصة التحول:
في لغة المال والأعمال، تُقرأ الأرقام عادةً بمعزل عن السياق، فقد أصبحت التجربة السعودية الحديثة في أرقامها جزءًا من قصة أكبر: قصة التحول الوطني، فالإيرادات غير النفطية تتصاعد عامًا بعد عام، والإنفاق الاستثماري يُعاد هيكلته نحو قطاعات استراتيجية مثل التقنية، والتعليم، والثروات الطبيعية، والسياحة، والصناعة العسكرية، والبنى التحتية الذكية، بهذه التحولات تعكس توجهًا عميقًا لإعادة توزيع الموارد بما يخدم النمو المستدام ويحفظ توازن المالية العامة دون الإخلال بمتطلبات التنمية.
ثانيًا: الأثر المستدام:
حيث تتحول الأرقام إلى قيمة، فعندما تُبنى الميزانيات على مبادئ الاستدامة والحوكمة والكفاءة، يتحول كل مبلغ إلى استثمار طويل المدى، وهذا ما نراه اليوم جليًا في برامج تحسين جودة الحياة، وتطوير المدن، وتمكين القطاع الخاص، وتوسيع مشاركة المرأة والشباب، ودعم الابتكار وريادة الأعمال.
ثالثًا: النظرة المستقبلية:
الميزة الفارقة في النهج المالي السعودي هي "النظرة المستقبلية" التي تتعامل مع الميزانية كأداة تنبؤية، فالسياسات المالية الحديثة تعتمد على:
* تنويع مصادر الدخل لخفض الحساسية تجاه تقلبات النفط.
* رفع كفاءة الإنفاق عبر التحول الرقمي، والأتمتة، وقياس العائد من كل مبادرة.
* إدارة المخاطر المالية بأساليب متقدمة تحمي الاقتصاد من الصدمات.
* تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص عبر مشروعات نوعية وصناديق تمويلية مبتكرة.
هذه التوجهات تجعل الميزانية مرنة في مواجهة المتغيرات، وقادرة على دعم النمو المستدام دون إرهاق المالية العامة.
رابعًا: الإنسان:
أبرز ما تميزت به الميزانية تركيزها على الإنسان بوصفه الثروة الحقيقية؛ فمن مبادرات تمكين الكفاءات الوطنية، إلى دعم التدريب والتعليم العالي، وصولًا إلى توسع البرامج الاجتماعية والصحية، وهو ما أكده سمو ولي العهد حفظه الله أن الميزانية لتعزز قدرات المواطن وتفتح أمامه مسارات جديدة للمنافسة والإبداع، وأن الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة، والأعلى عائدًا، والأطول أثرًا.
لقد أصبحت الميزانية السعودية نموذجًا يُدرّس في كيفية تحويل الأرقام إلى أثر، وكيفية توظيف الإنفاق في بناء اقتصاد مستدام، وكيفية إدارة التحول الشامل دون الإخلال بالاستقرار المالي.