النهار
بقلم - علي بن عيضة المالكي
بالأمس الثلاثاء الموافق الثاني من ديسمبر لعام 2025م أُعلنت الميزانية العامة للمملكة العربية السعودية للعام 2026م، بمقدورنا وصفها أنها ميزانية حملت الخير والعطاء والنماء للوطن بأكمله، مع إعلانها، تتجدد لغة الأمل، ويتجدد معها وعيٌ وطنيٌّ راسخ بأن الوطن يمضي في طريقه بخطى ثابتة، مدعوم برؤية واضحة ومنهج قيادة تُتقن قراءة الحاضر، وتُحسن صناعة المستقبل. فميزانية الخير والعطاء ليست وثيقة مالية تُعلَن ثم تُطوى، إنما هي خارطة طريق وطنية تُبنى عليها خطط التنمية، وتُقاس بها مؤشرات التقدم، ويُعرَف من خلالها حجم الطموح الذي يحمله هذا الوطن لأبنائه.
ما يميّز هذه الميزانية أنها تجمع بين اتساع دائرة العطاء ودقّة الإدارة المالية. فهي ليست ميزانية تُنفَق فيها الموارد بلا رؤية، ولا ميزانية تقف فيها المشاريع عند حدود الحاضر؛ لكنها معادلة دقيقة تُوازن بين الاحتياجات الراهنة ومتطلبات المستقبل، بين النمو الاقتصادي والاستدامة المالية، وبين الطموح الذي لا يعرف سقفًا والعقلانية التي تعرف كيفية صيانة الموارد.
إذن هي ميزانية تُدار بعقل اقتصادي حديث يبني على التجربة، ويتحرك وفق رؤية 2030م، ويؤمن بأن الموارد إن لم ترتبط بخطط واضحة فلن تصبح تنمية، وإن لم تُدار بكفاءة فلن تصنع اقتصادًا قويًا، ولكي لا أنسى شيئًا ، فإن أجمل ما في ميزانية الخير والعطاء أنها ليست بعيدة عن المواطن، ولا محصورة في غرف الاجتماعات والبيانات الوزارية.
المواطن يلمس أثرها في تفاصيل يومه؛ في مدرسة أكثر تطورًا لأبنائه، ومستشفى أكثر جودة ورعاية،وطريق أكثر أمانًا ومدينة تنبض براحة العيش وفرص عمل جديدة تُفتح أمام الشباب الطموح.
بالتأكيد هي ميزانية تصنع بيئةُ حياةٍ متكاملة تليق بالمواطن السعودي، ترفع جودة العيش، وتمنح الاستقرار، وتدعم التعليم والصحة والخدمات والترفيه والثقافة والرياضة، وتُعيد تشكيل المدن بأسلوب حديث يجعل من المملكة واحدة من أسرع الدول تطورًا في بنيتها الأساسية.
في المقابل، لا تغفل عن المستقبل، لكنها تُعدّه بعناية. فبينما تُعالج احتياجات الحاضر، تعمل في الوقت ذاته على خلق اقتصاد متنوع يعتمد على مصادر متعددة لا تُقيّده تقلّبات الأسواق العالمية.
فالاستثمار في الطاقة المتجددة، وفي التقنية والذكاء الاصطناعي، وفي الصناعات الوطنية، وفي السياحة، وفي تحديث القطاعات الحكومية، ذلك ليس مجرد مشاريع تنموية، غير أنه خطوات استراتيجية تُعيد تشكيل بنية الاقتصاد السعودي ليكون اقتصادًا قادرًا على المنافسة عالميًا.
المستقبل في هذه الميزانية ليس كلمة تُقال، بل مشروع وطني كبير يُبنى على أرض الواقع، وتُوجَّه له الموارد، وتُقاس فيه النتائج، ويُطمح من خلاله إلى صنع وطنٍ مستدام قادر على حماية نفسه اقتصاديًا وتأمين الوظائف والفرص لأجيال قادمة.
بقي أن نوجه شريحة الفكر نحو الركيزة الكبرى في ميزانية الخير والعطاء المتمثلة في الإنسان.
فالقيادة لا ترى المواطن مجرد فرد يعيش داخل الحدود، هي ترى فيه القيمة العليا التي يُقاس بها نجاح الدولة. ولذلك تأتي الميزانية متناسبة مع هذا المفهوم، فتضع الإنسان في مقدمة الأولويات:
تعليمًا، وصحة، وفرصًا، ورفاهية، وأمنًا اجتماعيًا.
هذا المنهج هو ما يجعلها أكثر من مجرد تخطيط مالي؛ إنها فلسفة حكم، وسياسة دولة، ورسالة قيادة تؤمن بأن قوة الوطن تتجلى في قوة مواطنيه، وأن المستقبل لا يتم صناعته بالمال وحده، إنه يصنع من عقل الإنسان وإبداعه وقدرته على العمل والابتكار.
الميزانية أيضًا تعكس حجم المشاريع العملاقة التي تتقدم بسرعة لافتة: نيوم، البحر الأحمر، السودة، القدية، أمالا، وبرامج البنية التحتية الضخمة التي لا تغيّر فحسب شكل المدن، بل تغيّر نمط المعيشة، وتفتح آفاقًا جديدة للاقتصاد والسياحة والاستثمار.
وبصرف النظر عن حجم المشاريع التي ضخت فيها مبالغ مالية ضخمة تبقى تلك المشاريع محركات اقتصادية تعيد رسم موقع المملكة العربية السعودية في خريطة العالم وتمنحها قدرة على المنافسة في المستقبل، وتخلق بيئة تجذب العقول وتحرك عجلة الاستثمارات.
تبقى ميزانية الخير والعطاء علامة مضيئة في مسيرة الوطن. فهي تُعبّر عن حاضر مزدهر نبنيه اليوم، ومستقبل كبير يُصنع للغد، واقتصاد يستند إلى رؤية طموحة لا تعرف التوقف. إنها ميزانية تُجسّد روح السعودية:
دولة قوية، وقيادة ملهمة، وشعب يصنع المعجزات يقف جنبًا إلى جنب مع قيادته لا يقبل أن يصمم الآخرون له هويته.
في الختام:
الوطن الذي يكتب مستقبله بثقة هو وطن رؤيته أعمق من اللحظة وأبعد من المدى