الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ ديسمبر-٢٠٢٥       13915

بقلم - المستشار سعود عقل
يبدو الفساد أحيانًا كجرحٍ صغير في جسد الدول، خدشٌ بسيط يمكن تجاهله أو اعتباره تفصيلاً يوميًا لا يستحق الضجيج.

لكن الحقيقة أن هذا الجرح الصغير، إن تُرك بلا علاج، يتحوّل إلى نزيفٍ هائل ينهش بنية الوطن، ويُنهك مؤسساته، ويقوّض ثقة الناس بكل ما يفترض أن يحمي حياتهم وحقوقهم.
الفساد الكبير غالبًا ما يُصنع في المكاتب العالية، لكن الفساد الصغير يعيش في تفاصيل الحياة اليومية:
موظف يطلب “إكرامية”، معاملة لا تتحرك إلا بدفعة إضافية، مخالفات تُحلّ بـ”معروف”، امتحان يُسهَّل مقابل هدية، مسؤول يتساهل مع قريب أو صديق… هذه الشقوق الصغيرة هي التي تسمح بانهيار الجدار الكامل.
وما إن يُفتح باب الفساد البسيط، حتى يفقد القانون هيبته. يتعلم المواطن أن طريق القانون أصعب من طريق الواسطة، وأن احترام الدور أبطأ من التوصية، وأن النزاهة لا تجلب له سوى المتاعب.

وهكذا، تتحوّل الدولة تدريجياً إلى شبكة مصالح فردية لا إلى نظامٍ عام يُنظّم الجميع.
وقد يبدو “القليل” مبلغًا بسيطًا، لكنه ما إن يتكرر ملايين المرات، يصبح نزيفًا ماليًا ضخمًا.
فالفساد الصغير يرفع كلفة الخدمات، ويعيق الاستثمار، كذلك يطيل زمن إنجاز المشاريع، ويجعل المواطن يدفع ثمنًا إضافيًا لكل خطوة في حياته: في طبابة، تعليم، نقل، وحتى في أبسط معاملة رسمية.
وحين تُفتح الأبواب أمام الفساد الصغير، يُغلق الباب تلقائيًا أمام أصحاب الكفاءة.
يُقدَّم مَن لديه “واسطة” على حساب من يستحق، فيتراجع مستوى المؤسسات، وتنتشر الرداءة، ويصبح النجاح مرهونًا بالعلاقات لا بالجدارة.
هكذا تُنهك الدول من الداخل… لا بسبب نقص الموارد، بل بسبب سوء إدارتها.
أضف إلى ذلك فالفساد الصغير يقتل الثقة… والثقة هي رأس مال الدولة، فحين يشعر المواطن أن القانون لا يحميه، وأن العدالة لا تساوي الجميع، تنهار المشاركة العامة، وتغيب المحاسبة.
لأن الفساد ليس حدثًا، بل سلسلة، فمن يعتاد على المخالفة الصغيرة، سيجرّب الأكبر،
ومن ينجو من العقاب مرة، سيكررها مرات.
وهكذا تتحوّل الدولة إلى طبقات من الامتيازات غير الشرعية، وتُقاده شبكات موازية تتضخم حتى تصبح أخطر من مؤسسات الدولة نفسها.
السؤال يبقى: كيف نكافح  الفساد الكبير؟ هذا يحتاج إلى قوانين وإرادة، أما مكافحة الفساد الصغير فتحتاج ثقافة:
• ثقافة احترام القانون.
• ثقافة رفض الرشوة مهما صغرت.
• ثقافة الشفافية داخل المؤسسات.
• وثقافة تُعيد للمواطن شعوره بأن القانون خُلق من أجله، لا ضده.
ملخص الكلام: إن الدول التي يستشري فيها الفساد لا تنهار دفعة واحدة… بل تنهار عندما يقبل  بالانحرافات الصغيرة التي تبدو غير مؤذية.
والنزاهة لا تبدأ من الوزراء والمديرين فقط، بل من الممارسات اليومية من: الطابور، المكتب، الصف، ومن كل يد تمتد لتأخذ ما ليس من حقها.
الفساد الصغير ليس صغيرًا، إنه الشرارة الأولى التي يمكن أن تُحرق وطنًا بأكمله… أو تُطفأ قبل أن تتحوّل إلى حريق.

لذا حبا الله وطننا الغالي قيادة ادركت ذلك من ذو تأسيسها، وعدلت أولا واصدرت القوانين الرادعة ثانياً ،وفعّلت بشكل لم يتوقعه احد في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان حفظة بقيادة ولي عهدة الامين ورئيس مجلس الوزراء عندما اجراء حواراً تطرق فيه للفساد.

وقال لن ينجوا كأن من كان دخل في عملية فساد ، وتوج ذلك بالقرارات غير المسبوقة باحالة جميع الفاسدين للهيئة العامة لمكافحة الفساد حيث طالت اسماء لم يعهد بمحاسبة مثلها من قبل  وانشاء دوائر قضائية متخصصة لمحاكمتهم سواء كبر او صغر الفساد بل  يتساوون امام عدالة القضاء.