النهار السعودية

٣٠ نوفمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار السعودية
التاريخ: ٣٠ نوفمبر-٢٠٢٥       8910

بقلم - حمد حسن التميمي 

هل جربت أن تخوض يومًا مليئًا بمحاولات الدفاع غير المرئية عن ذاتك، فتدخل في سباق داخلي لتبرير كل قرار وكل شعور؟ ومع كل هذا الجهد المنهك، غالبًا ما ننسى أن النمو الحقيقي يبدأ من الداخل، من لحظة تصالح الإنسان مع نفسه، وليس بكتابة بيان دفاعي للجمهور من حوله. رحلة التكوين الشخصي عمل صامت، نبنيه كل يوم بخيارات وعواطف لا يراها أحد غيرنا.
نخشى غالبًا من سوء الفهم حين نحدد حدودنا الشخصية، فنرتدي درع التبرير أمام كل من يحوم حول قناعاتنا وحريتنا. ننسى أن تلك الحدود هي كنوزنا الحقيقية؛ فهي تحافظ على جوهر طاقتنا، وتصون هويتنا من الذوبان في متاهات الطلبات الخارجية والانتقادات. رسم هذه الحدود ليس أنانية، بل ذكاء عاطفي هادئ يرسخ كرامتنا الداخلية ويمنحنا احترام الذات وأمانها النفسي.
وعندما يتعلق الأمر بالعلاقات، فتذكر أن كل قرار تنفرد به هو غرس لزهرة خاصة في بستان حياتك. من تختار أن يبقى في حياتك ومن تختار أن يغادرها ليس محل مساءلة من أحد؛ تلك القرارات هي شواهد نضجك، وتدل على إدراكك لقيمة العلاقات في حياتك، وليست أوراق استجواب تُقدَّم للآخرين للموافقة أو الاعتراض.
أما وقتك الخاص، فهو ذهب زمن السرعة الحديث؛ لحظات التأمل والهدوء والانشغال بالأحلام الصغيرة هي العلاج اليومي الذي لا يحق لأحد أن يحاسبك عليه. احم تلك اللحظات ولا تفسرها لأحد، فهي سر بقائك متوازنًا ومستقرًا أمام تحديات الحياة.
وحين تقترب من القرارات المصيرية، تذكر أن منطقك الداخلي هو الحكم الوحيد. سواء واصلت طريقًا مرهقًا لأنك تؤمن بهدف، أو انسحبت فجأة من مسار لم يعد يخدمك، فأنت الوحيد الذي يملك شرعية القرار. لا تعتمد على الموافقة الجماعية؛ فحياتك ليست تصويتًا علنيًا.
ولا تنس الاهتمام بشغفك؛ حين ترعى هواياتك واهتماماتك كحديقة سرية، تكتشف داخلك فرحًا لا يُقدر بثمن، بغض النظر عن رأي الآخرين فيها. اختر لنفسك متعة الإنجاز الحقيقي مهما بدا للبعض غريبًا أو غير مألوف.
وحين يكون الحديث عن المال، ضع في اعتبارك أن قراراتك المالية ملك لك وحدك. خطط، قيم، واصرف دون أن تجعل مالك منصة لتحقيق الرضا أو للرد على المحاكمات المجتمعية. الحكمة المالية تعني إدارة مالك للأفضل، بسرية واحترام لخصوصيتك.
وأخيرًا، احترم ذوقك في المظهر؛ ارتد ما يعجبك، واختر نمطك بصدق، ولا تبرر أبدًا خياراتك في الشكل الخارجي. فالمظهر جزء من بصمتك، وهو تعبير أصيل عن شخصيتك.
استشرافًا للمستقبل، ستجد أن التحرر الحقيقي يبدأ عندما تتوقف عن محاولة إرضاء الجميع، وحين تدرك أن كفاية الذات هي أقصر طريق للرضا الداخلي، وأن أكثر اللحظات صدقًا وهدوءًا هي تلك التي تعيشها مع نفسك دون شروحات ولا دفاعات. كن حقيقتك بلا تبرير، وحرر ذاتك وأغلق نوافذ الشك؛ عندها فقط ستجد المساحة أوسع، والطريق أكثر نورًا، والحياة أعمق من كل التوقعات.