الكاتب : النهار
التاريخ: ٣٠ نوفمبر-٢٠٢٥       8745

بقلم ـ د. أحمد بن سعد بن غرم الغامدي 

إنّ تصحيح المفاهيم ليس ترفًا فكريًا ولا مرحلة طارئة، بل هو ضرورة وجودية لا يستغني عنها أحد، مهما بلغ من العلم أو الرسوخ أو التجربة. فالجميع مخاطب بهذا التصحيح؛ العالم والمتعلم، الشيخ والطالب، الفرد والمجتمع، لأن الإنسان بطبيعته كائن يتطور فهمه ويتجدد نظره، ويتأثر بعاداته ومحيطه وعلومه وتجربته، وقد يعتري نظره القصور والغفلة والهوى، فينشأ في ذهنه تصوّر يحتاج إلى مراجعة، أو مفهوم بحاجة إلى إعادة تأمل، أو فهم لم يستقر على منهج صحيح. 

ولهذا كان تصحيح المفاهيم واجبًا مستمرًا على كل إنسان، لا يخرج منه أحد، لأن المفاهيم الخاطئة هي في حقيقتها انعكاس لفهم خاطئ، وذلك الفهم الخاطئ ليس إلا نتيجة لخلل في إدراك دلالات النصوص، وضعف في القدرة على استنباط معانيها، أو قصور في العلم الذي يُعين على فهمها الفهم الراسخ.

والإنسان حين ينظر في نصوص الوحي يجد أنها متفاوتة في درجات الجلاء والوضوح؛ فمنها ما يفهمه كل عقل، ومنها ما يحتاج إلى تأمل، ومنها ما لا يُدرك إلا بالرجوع إلى المتخصصين والراسخين في العلم. 

وبعض المفاهيم تتغير بتغير الأحوال والوقائع، فيحتاج فهمها إلى اجتهاد جديد في ضوء الضوابط الشرعية والقواعد الأصولية. 

ولهذا يحدث أن تتكون قناعات في الأذهان على فهم غير ناضج، أو على دليل غير صحيح، أو على دليل واحد يعارضه غيره، أو على قراءة مبتورة لمقاصد النصوص، فتصبح تلك المفاهيم الخاطئة جزءًا من التفكير العام والسلوك اليومي، ويصعب على النفس تركها؛ لأنها ألفتها واستراحت إليها، حتى لو كانت بعيدة عن الحق.

 ومن هنا نشأت الحاجة إلى مراجعات صادقة، جادة، مستمرة، تُعيد الفكر إلى أصله النقي، وترد الفهم إلى منابعه الصحيحة، وتحرر الإنسان من سلطة العادة والهوى والتقليد.

 وقد تنشأ المفاهيم الخاطئة من مصادر كثيرة؛ فقد يكون الجهل المركب هو السبب، إذ يحفظ المرء النصوص دون إدراك لقواعد فهمها، فيأخذ الوعيد وحده ويترك الرحمة، أو يعرف ظاهرًا من الدين ويغفل باطنه ومقاصده. 

وقد يكون السبب الجمود على فهم سابق لا يناسب نصًا تغيرت علله ومواضع تطبيقه، مع أن الأئمة الأوائل أنفسهم كانوا يقرّون بأن كثيرًا من الأحكام تُبنى على العرف والمصلحة والضرورة، وهي متغيرة بطبيعتها. 

وقد يتولد الخطأ من تأثر الفهم بتيارات وافدة أو ثقافات دخيلة، فتُحمَّل النصوص ما لا تحتمل، أو يُؤوَّل الشرع ليطابق فلسفة غربية أو قيمة اجتماعية حديثة.

 وأحيانًا يكون مصدر الخلل هو الخطأ في الإسناد أو الاستدلال؛ كمن يبني فهمًا على حديث ضعيف، أو على جزء من نص دون جمعه مع بقية نصوص الباب، أو يقرأ النص دون معرفة أسبابه وشروطه وموانعه. 

ومن أهم أسباب التشويه أن يتحكم الهوى في التفكير، فتُتخذ النصوص خادمة لرأي مسبق، بدل أن يكون الرأي تابعًا للدليل.

وتصحيح هذه المفاهيم ليس شعارًا يُرفع، بل هو عمل منهجي دقيق، يتطلب رجوعًا صادقًا إلى النصوص الأصلية، وفهمًا لها على ضوء ما فهمه الصحابة والتابعون، الذين كانوا الأقرب إلى الوحي لغة وبيئة ومقصدًا. 

ويقتضي التصحيح جمع النصوص كلها وعدم تجزئتها، فلا يُفهم باب القدر أو التوحيد أو الجهاد أو الأحكام والمعاملات بنص واحد، بل بنظر شامل يربط الآيات والأحاديث ببعضها، ويكشف المقاصد الكبرى وراء التشريع.

 وحين يتحرك الإنسان وفق منهج الموازنة بين المصالح والمفاسد، ويراعي المآلات، ويعرف فقه الأولويات، ويزن الأمور بميزان العلم لا باندفاع العاطفة، يصبح فهمه للنصوص أقرب للصواب، لأن الشرع ما جاء ليشق على الناس، بل جاء لتحقيق الحكمة والرحمة، وإقامة العدل وحفظ الضرورات الخمس. 

ولا يَتمّ هذا كلّه إلا بالرجوع إلى أهل الذكر، والاعتراف بقيمة التخصص، وترك الجرأة على الفتيا لمن لا يحسن النظر ولا يتقن فهم الأدلة.

وعند النظر إلى الواقع نجد نماذج كثيرة للمفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح. منها مفهوم التوحيد الذي ظنّ بعض الناس أنه يتحقق بمجرد الإيمان بأن الله هو الخالق الرازق، مع أن جوهر الرسالات هو توحيد الألوهية وإفراد الله بالعبادة. 

ومنها مفهوم التكفير، الذي توسع فيه قوم حتى صاروا يكفّرون المسلم بذنب، مع أن النصوص صريحة في التحذير من إطلاق هذا الحكم بغير بينة قاطعة.

 ومنها مفهوم المرأة، الذي اختُزل عند بعض الناس في دور واحد، أو على العكس، رُفع فيه شعار المساواة المطلقة بلا مراعاة لفروق التكليف والأدوار التي جاءت بها النصوص. 

وكل هذه المفاهيم تُصحح بجمع النصوص، ومعرفة سياقاتها، وفهم مقاصدها، وعدم القراءة السطحية التي تفصل النص عن حكمته.

وثمار التصحيح عظيمة في حياة الأفراد والمجتمعات؛ فعلى مستوى الفرد، يورث التصحيح طمأنينة واستقرارًا؛ لأن الإنسان حين يطابق فهمه مع الحق يستريح قلبه من الحيرة ويُشفى من التناقض الداخلي. 

وعلى مستوى المجتمع، يورث التصحيح انسجامًا بين أفراده، ويقلل الخلافات المبنية على سوء الفهم، ويجعل الخلاف اختلاف تنوع لا اختلاف تضارب وتنازع. 

وعلى مستوى الحضارة، يفتح التصحيح أبواب الإبداع، لأن الأمة التي تُجدد فهمها تُجدد روحها، وتصبح قادرة على الإنتاج والعطاء، بعقلية ناضجة وقيم راسخة.

 وإذا كان الجميع مخاطبًا بالتصحيح، فإنّ الجميع مطالب أيضًا بأن يعي خطورة ترك المفاهيم الخاطئة تتجذّر، وأن يدرك أن الخلل في المفهوم انعكاس لخلل أعمق منه، وهو الفهم الخاطئ للنص، وأن هذا الفهم الخاطئ بدوره انعكاس لقصور في معرفة دلالات النصوص وأدلتها، وأن هذا القصور هو نتيجة مباشرة لضعف العلم، أو ضعف المنهج، أو ضعف التلقي، وأن تصحيح هذا السلسلة من الأخطاء هو الطريق إلى بناء عقلية سليمة، ومنهج متزن، وفهم يليق بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

وهكذا يتبين أن تصحيح المفاهيم رحلة لا تنتهي، ومراجعة لا يُستغنى عنها، وطريق لا يُقطع إلا بالسير المستمر. إنه اختبار دائم لحيوية الفكر، ودليل على حياة الأمة ووعيها. 

ومن أراد أن يغير الله حاله فليغير ما في نفسه أولًا، وأول ما يغيره هو تلك المفاهيم التي يستند إليها في نظره وعمله وتفسيره للعالم. 

وبذلك يصبح التصحيح بابًا للوعي، وجسرًا للطمأنينة، وسبيلًا إلى سلامة الإيمان واستقامة السلوك، وبناء مجتمع متماسك، وأمة قادرة على النهوض من جديد.