النهار

٢٩ نوفمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ نوفمبر-٢٠٢٥       11440

بقلم - على بن عيضة المالكي

قبل الحديث عن الرحلة، أحببت الإشارة إلى هذه المدينة المليئة بالجمال، مدينة  تبوك  وردة الشمال السعودي كما يحلو لأهلها تسميتها، ورئتها النابضة بالتاريخ والجمال وبالعلم والمعرفة والإنسانية.

 تُعَدّ  تبوك  واحدةً من أكثر مناطق المملكة العربية السعودية تفردًا من حيث التاريخ والجغرافيا والطبيعة والإنسان. فهي ليست مجرد مدينة في شمال البلاد، بل دوحةٌ تنبض بالحياة والجمال في قلب صحراء واسعة، استطاعت عبر الزمن أن تتحول من ممرّ للقوافل إلى مركز حضاري واقتصادي وسياحي متسارع النمو.

تحمل هذه المدينة العظيمة إرثًا تاريخيًا موغلاً في القدم؛ فقد كانت محطة رئيسة لطريق الحجاج القادمين من الشام ومفترق طرق للقوافل التجارية، ومسرحًا لأحداث تاريخية مهمة. آثارها المتناثرة من القلاع القديمة إلى المعالم التاريخية، تحكي قصة مدينة صاغتها العصور بحكمة وهدوء، لتبقى ذاكرةً حيّة تربط الماضي بالحاضر.

اليوم، تقف  تبوك  على أعتاب مستقبل مختلف؛ مستقبل تُسهم فيه السياحة البيئية، والمشاريع الذكية، والاقتصاد الأخضر، في جعلها محطة عالمية لا تقتصر على سكانها فحسب إنما تمتد لكل من يبحث عن تجربة جديدة في قلب الطبيعة.

أرجو ألا أنسى شيئًا يميزها عن غيرها : ما يميزها أنها تجمع بين القسوة والنعومة في مشهد واحد. فبين جبالٍ شامخة وصحراء ذهبية، تنبثق الواحات والمزارع الخضراء، لتخلق توازنًا فريدًا قلّ أن يتكرر في مثيلاتها من المدن. في الشتاء تكتسي جبالها بحلّة بيضاء تخطف الأنظار، وفي الربيع تتفتح المروج وتفوح روائح الأعشاب البرية، ليشعر الزائر بأنه أمام لوحة تتغير ألوانها بانتظام ودهشة.

لقد شهدت خلال السنوات الأخيرة نهضة عمرانية وتنموية واسعة؛ بفضل مشاريع استراتيجية عملاقة تمثل رؤية المملكة الطموحة للمستقبل. مشاريع مثل نيوم وأمالا والواجهة البحرية أعادت رسم ملامح المنطقة، وفتحت آفاقًا جديدة للاستثمار والسياحة، وجعلت من  تبوك  نموذجًا للتوازن بين الحفاظ على الهوية والانطلاق نحو الحداثة.

لا يمكن الحديث عن لؤلؤة الصحراء دون الإشارة إلى أهلها. فهم الامتداد الحقيقي لروح المكان. يعرفهم كل زائر بكرمٍ أصيل، وهدوءٍ يشبه نسيمها البارد في الصباحات، وانفتاحٍ يعكس تاريخها الطويل مع المسافرين والسواح. نعم اكتسبت جمالها من طبيعتها، لكنها اكتسبت حياتها من أهلها.

ومما زاد من جمال الرحلة وجعلها أكثر دفئًا هو لقاء أهلها. في كل زاوية، وفي كل سوق، وفي كل مقهى، كنت أجد ابتسامة صادقة وترحيبًا يجعل الضيف والزائر يشعر أنه يعرف المدينة منذ زمن. كرمهم يشبه طبيعتهم: بسيط، حقيقي، وعميق.

لم تكن رحلتي إليها مجرد عبورٍ لمدينة جديدة، كانت تجربةً أعادت ترتيب إحساسي بالمكان. منذ اللحظة الأولى التي لامست فيها قدماي أرضها، شعرت أنني أمام مدينة لا تُشبه غيرها؛ مدينة تجمع هدوء الصحراء واتساعها، مع حياة تنبض في كل جانب كأنها تهمس للمسافر: "مرحبًا بك… هنا الحياة يراها الزائر بوضوح تام.

الحقيقة : حين وصلتُ إليها، استقبلتني بنسيمٍ بارد منعش، يليق بمدينة تحيطها الجبال وتظلّلها سماءٌ صافية. كان الطريق من المطار إلى وسط المدينة أشبه بعبورٍ بين عالمين: الصحراء الممتدة من جهة، ونبض الحياة الحديثة من جهة أخرى. شعرتُ منذ اللحظة الأولى أني في مدينة تعرف كيف تصافح زوارها.

في صباح اليوم التالي، بدأت جولتي من قلعة  تبوك  التاريخية. لم أحتج كثيرًا لأشعر بعمق الزمن هناك؛ الجدران والخشب والعمران القديم كلّها تحكي من دون أن تتكلم. تجولت بين أروقتها وأنا أتخيل القوافل العابرة والحجاج المسافرين، وأدركت أن المدينة لم تكن يومًا هامشًا في التاريخ، قطعًا هي قلبٌ نابضٌ على خط القوافل والحكايات.

ثم مررت بالمحطة القديمة طريق القطار، حيث شعرت أن المكان ما يزال يحتفظ بصدَى القطارات التي مرت قبل أكثر من قرن. إنها ليست آثارًا جامدة، هي بالتأكيد ذاكرة مفتوحة على كل من يقترب منها.

خلال رحلتي إلى جبالها، اكتشفت الوجه الآخر لها. طريقٌ يمتد بين تضاريس تأسر الأنظار، وجبال ترتفع في صمت لكنه صمتٌ مهيب. وقفت هناك طويلاً، أتأمل الانسجام بين الصخر والسماء، بين البرودة والهدوء، وبين العزلة والجمال.

وفي وادي الديسة، شعرت أني أمام مشهد سينمائي حيّ. صخور شاهقة، نخيل يتمايل، ومياه تنساب بين الصخور بصفاء يُشبه لحظة صدق نادرة. هناك أدركت المعنى الحقيقي لعبارة "دوحة تنبض بالحياة".

تجولت في المدينة الحديثة، ورأيت كيف تمتزج النهضة العمرانية بالهوية المحلية. شوارع نظيفة، مشاريع تنمو بثقة، وطابعٌ حضاري يعكس روح رؤيةٍ تعرف إلى أين تتجه. مشاريع نيوم وأمالا وتطوير الواجهة البحرية تمنح المنطقة إحساسًا بأن المستقبل ليس بعيدًا عنها، لكنه يبدأ منها.

حين غادرتها، أدركت أني لا أعود كما دخلت. فالمدينة التي وُصفت بأنها "دوحةٌ تنبض بالحياة والجمال" لم تخيّب ظني؛ لقد منحتني رحلةً تختلط فيها الطبيعة بالتاريخ، والهدوء بالجمال، والإنسان بالمكان.

إنها ذكرى دافئة، ودهشة باقية، ومدينةٌ تترك أثرًا يصعب نسيانه.

إنها ليست مجرد نقطة على خريطة، كانت قصةٌ من الجمال والحياة. دوحةٌ نابضة تجمع بين تاريخ الشمال وأصالة الرمل ونقاء الجبال وجرأة المستقبل. وفي كل مرة يزورها المرء يدرك أنها أكثر من مدينة… إنها حالة من السكون العميق، والدهشة المتجددة، والجمال الآسر.