الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ نوفمبر-٢٠٢٥       34320

بقلم ـ أحمد صالح حلبي

حينما تقرأ عن الأندلس فأنت تقرأ عن حضارة عربية إسلامية ازدهرت على مدى ثمانية قرون جمعت بين العلوم والمعارف ، والعمارة والفنون ، ولعبت دورا في التأثير على الحياة الأوروبية علميا واجتماعيا ، وهي حضارة لازالت آثارها بارزة في قصر الحمراء بغرناطة ، وجامع قرطبة ، وبرج الخيرالدا ، وقصر الجعفرية ، ومسجد باب المردوم. 

حضارة لم ينحصر دورها في مبان شيدت ، بل ذهبت نحو العلوم والمعارف وجمعت بين انتشار المكتبات ونشاط حركة التأليف والتراجم والحساب والهندسة والفلك والمنطق والفلاحة والملل والنحل والفلسفة والموسيقى ، ودراسة الطب وعلومه ، والكيمياء وغيرها . 

ولأنها الأندلس فقد أثارت بجمالها ابن خفاجة فأنشد قائلا : 

يَأَهلَ أَندَلُسٍ لِلَّهِ دَرُّكُمُ

ماءٌ وَظِلٌّ وَأَنهارٌ وَأَشجارُ

ما جَنَّةُ الخُلدِ إِلّا في دِيارِكُمُ

وَلَو تَخَيَّرتُ هَذا كُنتُ أَختارُ

لاتَختَشوا بَعدَ ذا أَن تَدخُلوا سَقراً

فَلَيسَ تُدخَلُ بَعدَ الجَنَّةِ النارُ

فيما وصفها ابن سفر المريني بقوله : 

في ارض اندلسٍ تلتذ نعماء

ولا يفارق فيها القلب سراء

انهارها فضةٌ والمسك تربتها

والخز روضتها، والدر حصباء

وللهواء بها لطف يرق ب

من لا يرق وتبدو منه اهواء

ليس النسيم الذي يهفو بها سحرا

ولا انتشار لآلي الطل أنداء ُ

وانما ارج الند استثار بها

في ماء ورد فطابت منه ارجاء

وهي من أنجبت كبار الشعراء كابن جزي الكلبي ، وابن حمديس

، ابن حنون الإشبيلي ، وابن خاتمة ، وابن زمرك ، وابن سهل الأندلسي وغيرهم ، والشاعرات كولادة بنت المستكفي ، صاحبة أول صالون أدبي مرموق في قرطبة ، اجتمع فيه كبار الأدباء والشعراء . 

وولادة التي ردت على حبيبها ابن زيدون بعد تعلقه " بجارية سوداء بارعة في الغناء ليثير غيرتها فتعُود إليه بعد أن انصرفت عنه " بقولها : 

لَو كنت تنصفُ في الهوى ما بيننا

لم تهوَ جاريتي ولم تتخيّرِ

وَتركتَ غصناً مثمراً بجماله

وجنحتَ للغصنِ الذي لم يثمرِ

ولقد علمت بأنّني بدر السما

لَكن دهيت لشقوتي بالمشتري

وهي من أبرزت غيرت النساء في قول حفصة الركونية عن حبيبها : 

أَغارُ عليكَ من عيني ومنّي

ومنك ومن زمانك والمكانِ

وَلو أنّي خبأتك في عيوني

إِلى يومِ القيامة ما كفاني

كما أنجبت نزهون الغرناطية الشاعرة الأندلسية التي " كانت تساجل الرجال وتجادلهم ، واشتهر شعرها بقوته وعدم تورعها عن استخدام الألفاظ الفاحشة والخادشة للحياء وهو ما يعرف باسم الشعر المكشوف ".

ومن نوادرها أن ابن قزمان أحد أشهر شعراء الزجل في الأندلس ، جاء ليناظرها " وكان يرتدي رداءً واسعا أصفر اللون فلما رأته قالت : أصبحت كبقرة بني إسرائيل ولكن لا تَسُرُّ الناظرين، قاصدة معجزة البقرة الصفراء في قصة النبي موسى. 

فقال لها: " إن لم أسُر الناظرين، فأنا أسُر السامعين، وإنما يُطلب سرور الناظرين منك، يا فاعلة يا صانعة ".

وهي من أخرجت ابرز العلماء كالفقيه والأديب والشاعر ابن حزم الأندلسي ، وأبو القاسم الزهراوي أشهر أطباء الأندلس، وعالم الفلك والرياضيات، مسلمة المجريطي ، ومن أوائل العلماء الذين قالوا بـ "كروية الأرض" ، وابن البيطار عالم النبات والصيدلي المعروف بكتابه في علم الأدوية المفردة ، والبتاني عالم الفلك الملقب بــــ " بطليموس العرب " وغيرهم . 

وختاما فإن حضارة الأندلس لم تكن متمثلة في مبان مشيدة ، ولا كلمات شعرية مدونة ، ولا مواقف لأحداث ومعارك مسجلة ، لكنها حضارة عربية إسلامية قامت واستمرت لقرون ، تحمل العلوم والمعارف من الشرق إلى الغرب ، عبر مركز اشعاع جمع بين التنوع الثقافي والتفاعل الحضاري ، فأبرز جمال العمران ، وروح الأدب ، وتنوع العلوم .