النهار

٢٩ نوفمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ نوفمبر-٢٠٢٥       13200

بقلم - لواء م عبدالله ثابت العرابي الحارثي

الوفاء ليس مجرد خُلُق جميل نُردده في مجالسنا، بل هو من أثمن القيم التي تختبر بها الذمم، وتُقاس عليها نقاوة النفوس، وتُعرف من خلالها منازل الرجال والنساء في ميزان الإنسانية.  الوفاء  في جوهره موقف أخلاقي ثابت، يتجاوز حدود المصلحة، ويعلو على تقلبات الأيام، ويمتد إلى حيث يكون الالتزام شرفًا، والكلمة عهدًا، والمواقف بصمة لا تُمحى.

حين يَصدُر  الوفاء  من رجل شهم ، ومن قلب صادق، فإنه يملك قدرة عجيبة على جبر الخواطر المنكسرة، وعلى تطمين الملهوف الذي أرهقته الحياة والأسئلة والظنون، وعلى احتواء الحزين الذي يبحث عن رُكنٍ آمن يسند عليه حزنه. فالوفيّ لا يترك في دربك موضعًا للخذلان، ولا يترك في قلبك فراغًا للنقص، لأنه ملاذٌ دائم، وسندٌ لا يتبدل مهما تبدل الناس.

والوفاء في عمقه إنسانية خالصة؛ إنسانية تعترف بأن القلوب تُداوى بالكلمة الطيبة، وبالثبات على الموقف، وبالإحسان غير المشروط. إنه يشبه النور الهادئ الذي لا يصرخ بوجوده، ولكنه يُضيء المكان كله. وحين يمر الوفيّ في حياتك، تشعر كأن العالم يصبح أقل قسوة، وأكثر اتزانًا، وكأن الأيام تُعيد ترتيب نفسها لتقول لك: لا يزال في الحياة ما يستحق الثقة.

وإن تأملت في محيطك، فستدرك أن أرباب  الوفاء  نادرون، وأنهم لا يشغلون مساحة واسعة في المجتمع، لكنهم يشغلون أعمق المساحات في القلوب. وجودهم قليل، لكن أثرهم واسع، ومواقفهم قليلة في العدد، عظيمة في الوزن، وذكراهم تبقى لأنها لا تُنسى، ولا تُستبدل، ولا تتكرر.

هذه القامات النبيلة تستحق منزلة عالية في حياتنا؛ منزلة تليق بثباتهم، وكرم نفوسهم، ونزاهة شعورهم. فهم الملح الذي يحفظ العلاقات من الفساد، والروح التي تُعيد للإنسان قيمته وطمأنينته، والمعنى الذي يجعل للمودة جذورًا لا تقوى عليها رياح التغيّر.

الوفاء… قيمة لا تكثر، لكنها حين تحضر تجعل للحياة طعمًا آخر، ومذاقًا لا يدركه إلا من ذاق دفء النفوس الصادقة، وبهاء القلوب التي تعرف كيف تقف… وكيف تُعطي ..وكيف تبقى