النهار

٢٥ نوفمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ نوفمبر-٢٠٢٥       35365

بقلم - هلا الخباز
بين فترة وفترة أعود لمدونتي الشخصية وأختلس النظر على الأهداف التي وضعتها للعام 2025، أضعها لا لأرهق نفسي بل لأمارس طقوسي بالحلم. جيد.. حققت جزء منها، وفخورة بأني حاولت تحقيق جزء آخر، أما الجزء الأكبر سيرحل للعام المقبل بعد أن أستغني عن بعض الأهداف التي أراها سطحية الآن نظراً للتغيير الذي طرأ على شخصيتي وعلى نظرتي للحياة بشكل عام .
في زحمة الحياة وتقلّباتها، يبقى التغيير واحداً من أكثر القرارات التي نخشى اتخاذها، لكنه في الحقيقة أكثر ما نحتاجه لنبقى أحياء من الداخل، لنعيش الحياة لا لنعبرها، فالثبات الطويل على حال واحدة يطفئ الروح، ويجعل أيامنا تتشابه بشكل يدفع النفس إلى ذبول، وإلى تطبيق الإجابة على السؤال المعتاد ما جديدك؟  لا جديد، محلك سر!
 وبالعودة إلى أهدافي بعد أن أدركت أن العام  أوشك على الرحيل، قررت أن أعيد تشغيل قلبي وعقلي وأن أسعى لتحقيق الجزء اليسير من الأحلام وأن اكتشف الحياة وقدرة الله في الكون، حزمت حقائبي وعزمت.. تحركت صوب أقرب نقطة جغرافية لا تفرض تعقيدات على وثائقي الشخصية.
فالسفر ليس ترفاً، ولا هروباً من الواقع، بل هو حق إنساني، يفتح أمامنا نوافذ واسعة على ما جهلناه داخل ذواتنا، أو كما يقول ابن بطوطة: "السفر يتركك بلا كلام، ثم يحوّلك إلى راوٍ ممتاز".
سافرت لعدة دول من قبل.. لكن هذه المرة كانت مختلفة تماماً، طبيعة المكان الساحرة، رقي ساكنيه، رفقاء الرحلة، وتأثير المكان على روحي وقراراتي، وكما قال ابن خلدون: "للبقاع تأثيرٌ على الطِباع، فكلما كانت البُقعة نديّة مُزدهِرة، أثّرت على طبعِ ساكنيها بالرّقة".
في السفر لا نتغيّر فقط لأننا نرى مناظر جديدة، بل لأننا نحتك بعوالم بشرية تحمل قصصاُ وقيماً مختلفة، وحين نتعرف على أناس من ثقافات متعددة، يبدأ العالم بالاتّساع من داخلنا، يقول الفيلسوف رالف إيمرسون: "كل إنسان تقابله هو مدرسة شرط أن تكون مستعداً للتعلم ".
السفر يربينا، يدرّب صبرنا ، يختبر مرونتنا، ويوسّع مداركنا ويزيد من ثقتنا بأنفسنا.. ومع كل بلد نزوره نتغير بطريقة ما، حتى وإن لم ندرك ذلك فوراً.. نعود محمّلين بخفّة أكثر، ووعي أعمق، وحكايات تعلّمنا ما لم تُعلّمه سنوات من الرتابة.
فالاحتكاك بالعالم يجعلنا نعيد التفكير في خطواتنا، وقراراتنا، وعلاقاتنا، وحتى أحلامنا.. إنه يضع مرآة لطيفة أمام انفسنا، من خلال بشر مختلفين يشبهوننا أكثر مما نتوقع.. ومع كل رحلة، نعود إلى الوطن محمّلين بنسخة أوضح، أعمق، وأكثر صدقاً من ذواتنا.
الصداقات التي نصادفها في الطريق لا تشبه صداقات الوطن، هي أبسط، أعمق، وأصدق في كثير من الأحيان، لأننا نلتقي في لحظات نكون فيها نسخة خام من أنفسنا، فمع كل حديث مع عابر سبيل، نتعرّف على زاوية أخرى للحياة، ونكتشف أن البشر رغم اختلاف لغاتهم وعاداتهم يشتركون في المخاوف نفسها، والأحلام نفسها، والرغبة ذاتها في أن يكونوا محبوبين وآمنين.
وحين نصغي لقصص الآخرين، نبدأ في فهم قصتنا نحن، فتوقظ في داخلنا أسئلة كنا نؤجلها:
من نحن؟
هل نعيش الحياة التي نريد؟
هل قراراتنا امتداد لرغباتنا أم مجرد استجابة لتوقعات الآخرين؟
ولذلك قال بول أوستر: "لا نعرف أنفسنا إلا حين نبتعد عنها". فكلما سافرنا، رأينا العالم بعين الممتن، وأدركنا اتساع نعم الله في حياة البشر، يقول الفيلسوف بليز باسكال: "قلب الإنسان يتسع بقدر ما يرى". وحين نرى نعم الله ممتدة على الأرض، نتعلم ألا نحصر نظرتنا في ضيق مهامنا اليومية، السفر يعلّمنا الامتلاء، لأنه يُظهر لنا كم نحن محاطون بالخير حتى عندما نعتقد أننا نفتقده.. يقول مارسيل بروست: "الرحلة الحقيقية ليست في اكتشاف أرض جديدة، بل في اكتشاف عيون جديدة."
فالمسألة ليست أن نلتقط صوراً، بل أن نضيف لأنفسنا طبقات جديدة من الفهم والوعي والتجارب التي نحملها ونحن عائدين.. في السفر، نصغي لأنفسنا أكثر، نسمع أصواتنا الداخلية، نتعرّف على حدودنا، ونكتشف ما نحب وما نكره.
يقول نيتشه: "من لا يتغيّر… لن يعرف نفسه". والسفر هو التغيير الذي يكشف الجزء الأصدق فينا، لأننا نواجه مواقف خارج المألوف تولّد طبائع لم نكن نعرف أنها تسكننا.. التغيير ليس مجرد تبديل مكان، بل هو تبديل نظرة، وتوسيع قلب، وتخفيف حمل كنا نظن أنه لصيق بنا.. والسفر أحد أنقى الطرق للوصول إلى هذا التغيير.