النهار

٢٤ نوفمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ نوفمبر-٢٠٢٥       13145

بقلم - لواء. م. عبدالله ثابت العرابي الحارثي

في لحظات يختلط فيها التعب بالحيرة، ويقف الإنسان أمام طرق تتشابه عليه حتى لا يعرف ما يأخذ وما يترك، يبدأ القلب في البحث عن مرجعية صادقة يطمئن إليها. فليس أثقل على المرء من أن تتزاحم الأسئلة في داخله دون أن يجد يدًا تحتويه أو صوتًا يعيد إليه اتزانه. وكلما ازدادت ضغوط الحياة وتشابكت تفاصيلها، ازدادت قيمة ذلك الشخص الذي يمنحك القدرة على الرؤية حين تتعثر البصيرة.

فالإنسان لا يضيع لمجرد أن الطريق انقطع أمامه، بل يضيع حين يفقد من يثق بحكمته، وحين لا يجد تلك الرحمة التي تهوّن عليه عبء اللحظة. ولهذا كان وجود مرجعية ثابتة أحد أعظم النعم التي يهبها الله للعبد؛ نعمة تُضيء العتمة، وتخفّف ارتباك القرار، وتعيد ترتيب الشعور قبل ترتيب الفكرة.

وفي تجربتي الشخصية، أدركت أن أعظم مرجعية في حياتي هو أبي — أطال الله في عمره — ذاك الرجل الذي إذا اختلطت الأمور، ولم أعد أرى الطريق كما ينبغي، وجدت عنده اليقين الذي يبدّد الحيرة، والنصح الذي يستقيم معه الاختيار. ليس لأنه مجرّد والد، بل لأنه مدرسة من الحكمة، ورصيد من التجارب، وسند لا يتخلى عن دوره مهما تبدلت الأحوال. هو البوصلة التي لا تخطئ، والظل الذي ألوذ به حين تشتد حرارة الأسئلة، والصوت الذي يعيد ترتيب داخلي كلما اضطربت خطواتي.

والاحتياج إلى مرجعية ليس ضعفًا، بل هو من تمام إنسانيتنا. فبعض المسافات لا تُقطع وحدنا، وبعض القرارات تحتاج إلى عقل آخر يحسن النظر، وقلب يعرف كيف يمسك بيدك حين تتزاحم عليك الطرق. ومن فقد هذا السند يعرف وحده معنى الفراغ، ويعرف كيف يصبح القلب صفحةً للرياح، وكيف يتحول العقل إلى بحر بلا شاطئ.

إنّ الحاجة إلى مرجعية هي حاجة إلى يقين يطمئن القلب قبل أن يطمئن السمع، وقد كان أبي — حفظه الله وأطال في عمره — هو الثبات الذي أعود إليه كلما تفرّقت بي الطرق. فمن لطف الله بنا أن يجعل في حياتنا شخصًا واحدًا يكفينا عن كثرة الناس، يعيد ترتيبنا حين نضيع، ويمنحنا من حكمته ما يعيدنا إلى جادة الصواب؛ وقد وجدت هذا السند العظيم في تاج رأسي أبي.