النهار
بقلم - تركي عبدالرحمن مبارك البلادي
في زيارة حملت ملامح مرحلة جديدة ومختلفة في العلاقات السعودية–الأميركية، وضع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ملف الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية المتقدمة في مقدمة أولويات مباحثاته في واشنطن، ليؤكد أن مستقبل التحالف بين البلدين بات مرتبطاً بالتقنية وصناعة المعرفة، لا بالاقتصاد التقليدي وحده.
وخلال اللقاءات التي عقدها سموه مع الإدارة الأميركية وكبار قادة الشركات التقنية، ظهر بوضوح أن المملكة تتحرك بخطوات واسعة نحو بناء اقتصاد رقمي ضخم، يعتمد على الحوسبة المتقدمة ومراكز البيانات والاستثمار في الذكاء الاصطناعي. وقد أعلنت الولايات المتحدة موافقتها على تصدير شرائح معالجة متطورة إلى المملكة، في خطوة تُعد اعترافاً بمكانة السعودية وقدرتها على أن تكون محوراً تقنياً في المنطقة، خصوصاً أن هذا النوع من التقنيات يُعد من الأشد حساسية في العالم.
كما رافقت هذه الخطوة سلسلة من الشراكات الجديدة لإنشاء مراكز بيانات عملاقة داخل المملكة، وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة، واستثمارات سعودية مؤثرة في شركات تقنية أميركية ناشئة، بما يعكس توجهاً واضحاً نحو بناء صناعة تقنية وطنية قادرة على المنافسة والابتكار. وتؤكد هذه التحركات أن السعودية لم تعد تكتفي بدور المستخدم للتقنية، بل أصبحت تسعى إلى امتلاك أدواتها وتصنيع مستقبلها.
وتشير تلك الاتفاقيات إلى رغبة سعودية صريحة في نقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا المتقدمة، عبر ربط الجامعات السعودية بالمختبرات البحثية الأميركية، وتطوير البرامج التي ترفع كفاءة الكوادر الوطنية في مجالات التقنية، والبيانات، والذكاء الاصطناعي. وهذا التوجه ينسجم مع طموحات رؤية 2030 التي تستهدف بناء اقتصاد معرفي متعدد المصادر، وتحويل المملكة إلى مركز إقليمي رائد في الابتكار والتقنية.
ولا يمكن تجاهل أن توقيت هذه الزيارة يأتي في لحظة عالمية يتعاظم فيها الصراع حول التقنيات المتقدمة، خاصة بين الولايات المتحدة والصين. ولذلك فإن تعميق الشراكة التقنية بين الرياض وواشنطن يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز المصالح الاقتصادية، ليصبح جزءاً من توازنات القوة العالمية. فامتلاك السعودية لبنية تحتية متقدمة في مجال الرقائق ومراكز البيانات يعطيها موقعاً مؤثراً في الصناعة الأهم في القرن الحادي والعشرين.
لقد أثبتت هذه الزيارة أن المملكة تدخل مرحلة جديدة عنوانها المعرفة أولاً. فالاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وتطوير البنية التقنية، والحصول على الرقائق المتقدمة، كلها خطوات تنقل السعودية من هامش الاستهلاك إلى قلب صناعة المستقبل. ومع استمرار بناء الشراكات التقنية الكبرى، تبدو المملكة مستعدة لتكون رقماً صعباً في معادلة الذكاء الصناعي العالمية، وركناً رئيسياً في اقتصاد المستقبل.
إن زيارة الأمير محمد بن سلمان لواشنطن لم تكن زيارة دبلوماسية تقليدية، بل كانت إعلاناً عملياً عن بداية عصر جديد تُعيد فيه المملكة رسم مكانتها الدولية عبر التكنولوجيا والابتكار، وتثبت أنها قادرة على المنافسة وصناعة الفارق في عالم سريع التغير.
عن الكاتب: كاتب صحفي وباحث تربوي