بقلم- شفق السريع
في قلب كل مدينة، هناك حيّ قديم يروي حكاية نشأتها الأولى..
أزقة ضيقة، جدران طينية، ونوافذ خشبية تحمل عبق الماضي..
لكن هذه الصورة الآسرة بدأت تتراجع أمام مشهد جديد من التشوه البصري، حيث تتزاحم اللوحات العشوائية، وتتكدس الكابلات والأسلاك والركامات الطينية، فتضيع ملامح التاريخ بين فوضى الكابلات والركامات..
التشوه البصري في الأحياء القديمة ليس مجرد خلل شكلي، بل نتيجة تراكمية لعقود من الإهمال..
كثير من هذه الأحياء لم تخضع لأي خطة صيانة أو تأهيل حضري حقيقي، فتآكلت تفاصيلها الجمالية واختفت هويتها العمرانية..
ومن هنا فلا بد من حل، من خلال تكوين برنامج متكامل يعيد التوازن بين التراث والحياة الحديثة، عبر ترميم البيوت بأساليب تحافظ على طابعها التاريخي مع تهيئتها لاستخدام معاصر..
الأحياء القديمة تمثل ذاكرة المدن الحقيقية..
وحين نفقد تفاصيلها المعمارية، نفقد معها القدرة على قراءة تاريخنا الاجتماعي والثقافي..
والحفاظ على هذه الأحياء ليس فقط من أجل السياح، بل من أجل سكانها أنفسهم، فالمكان الجميل يصنع إنسانًا متصالحًا مع ذاته..
وهذا يدعونا لدعوة المجتمع المحلي في جهود الترميم، لأن الوعي المدني هو خط الدفاع الأول ضد التشوه البصري..
خلال السنوات الأخيرة، أطلقت وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان عدة مبادرات لمعالجة التشوه البصري، شملت إزالة اللوحات العشوائية وتنظيم الواجهات في بعض المدن التاريخية مثل جدة والأحساء والدرعية..
وهو مشروع جبار أوجدته رؤية 2030 وعملت عليه وأنجزته..
والإستدامة والإستمرارية ركيزتان أساسيتان لتشمل الأحياء القديمة في بقية المدن الكبيرة خاصةً العاصمة الرياض من خلال التعاون بين الحكومة والمواطن والشركات الإستثمارية..
المدن الجميلة لا تُبنى بالخرسانة وحدها، بل بالوعي والذوق والانتماء..
وعندما نحترم ماضي المكان حتماً سنصنع له مستقبلًا أجمل..
إن إنقاذ الأحياء القديمة من التشوه البصري ليس مشروعًا هندسيًا فحسب، بل قضية ثقافية واجتماعية تمس جوهر الهوية..
فكل جدار يُرمَّم، وكل واجهة تُعاد إلى أصالتها، هو انتصار صغير لذاكرة الوطن..